الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٠٩
قال أبو محمد : فأول هذا إن هذا خبر لا يصح ، لان زيدا أبا عياش مجهول ، فارتفع الكلام فيه ، وأيضا فلو صح لما كانت لهم فيه حجة ، لان جميع أصحاب القياس ، أولهم عن آخرهم ، لا يرون هذا قياسا ولا يمنعون من البيضاء بالسلت فمحال أن يحتج قوم بما لا يقولون به . وأيضا فإن هذا ليس قياسا عند القائلين به ، لأنه تنظير للأفضل بما ينقص إذا يبس ، وهذا ليس شبها البتة ، عند من يقول بالقياس ، فسقط تعلقهم بهذا الأثر ، والحمد لله رب العالمين .
وأما : أخاف أن يضارع فحدثناه عبد الله بن يوسف بن نامي ، نا أحمد بن فتح ، ثنا عبد الوهاب بن عيسى ، نا أحمد بن محمد ، نا أحمد بن علي ، نا مسلم ، حدثني أبو الطاهر ، أخبرني ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث أن أبا النضر حدثه أن بسر بن سعيد حدثه عن معمر بن عبد الله : أنه أرسل غلامه بصاع قمح ، فقال : بعه ثم اشتر به شعيرا ، فذهب الغلام فأخذ صاعا وزيادة بعض صاع ، فلما جاء معمرا أخبره بذلك .
فقال له معمر : لم فعلت ذلك ؟ انطلق فرده ، ولا تأخذ إلا مثلا بمثل ، فإني كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الطعام بالطعام مثلا بمثل وكان طعامنا يومئذ الشعير ، فقيل : إنه ليس بمثله ؟ قال : إني أخاف أن يضارع .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه أصلا ، وإنما هو تورع من معمر بن عبد الله ، لا إيجاب ، ولا أنه قطع بذلك . وبيان ذلك : إخبار معمر بأنه يخاف أن يضارع ، ولم يقطع بأنه يضارع ، وأيضا فإن الحنفيين والشافعيين لا يقولون بهذا ، وهم يجيزون القمح بالشعير متفاضلا ، فلا وجه لاحتجاج المرء بما لا يراه صحيحا ، ولا ممن يخطئ ويصيب ممن لا يلزم اتباعه .
ولعل من جهل يظن أن احتجاجنا بمن دون النبي صلى الله عليه وسلم هو أننا نرى من دونه صلى الله عليه وسلم حجة لازمة ، فليعلم من ظن ذلك أن ظنه كذب ، وأننا لا نورد قولا عمن دون النبي صلى الله عليه وسلم إلا على أحد وجهين لا ثالث لهما : إما خوف جاهل يدعي علينا خلاف الاجماع ، فنريه كذبه ، وفساد ظنونه ، وأنه