الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٣٩
فصح بهذه الآية أنه لا يمكن أن يكون إجماع أبدا إلا على ما جاء من عند الله تعالى بالوحي الذي لا يعلم ما عند الله تعالى إلا به ، والذي قد انقطع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبطل بهذه النصوص يقينا أن يجمعوا على غير نص صحيح .
واحتجوا بقول الله تعالى في آية الكلالة : * ( إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ) * قالوا : فأنتم تقولون : إن الميراث ههنا إنما هو بعد الدين والوصية ، قالوا : وليس هذا في الآية فإنما قلتموه قياسا على سائر آيات المواريث التي فيها أنها بعد الوصية والدين .
قال أبو محمد : وهذا خطأ عظيم ، ونعوذ بالله تعالى من أن نثبت الميراث في مواريث الاخوة بعد الوصية والدين من طريق القياس ، وما أثبتنا ذلك إلا بنص النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان يقدم إلى الجنازة فيسأل صلى الله عليه وسلم : أعليه دين ؟ فإن قيل له : لا صلى عليه ، وإن قيل له : نعم سأل صلى الله عليه وسلم : أعليه وفاء ؟ فإن قيل له : نعم صلى عليه ، وإن قالوا : لا قال صلى الله عليه وسلم : صلوا على صاحبكم ولم يصل هو عليه ، وبقوله صلى الله عليه وسلم : إن الشهيد يغفر له كل شئ إلا الدين أو كلاما هذا معناه ، وقوله صلى الله عليه وسلم : إن صاحبكم مرتهن بدينه وبأمره عليه السلام بالوصية جملة لمن عنده شئ يوصي فيه ، وبأمره صلى الله عليه وسلم بالوصية بالثلث فدون .
وقال صلى الله عليه وسلم في الوصية بالثلث والنهي عن الوصية بأكثر : إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة أو كما قال صلى الله عليه وسلم فعم صلى الله عليه وسلم الورثة كلهم ، ولم يخص أخا ولا أختا من غيرهما ، فصح ضرورة أن لا ميراث لاحد إلا بعد الدين ثم الوصية ، فسقط تمويههم بذكر الآية المذكورة .
ثم نعكس عليهم هذا السؤال المذكور بعينه ، فنقول لهم : إذا فعلتم أنتم ذلك في آية الكلالة قياسا على سائر المواريث ، فيلزمكم أن توجبوا الاطعام في كفارة القتل لمن عجز عن الصيام والرقبة ، قياسا على كفارة الظهار ، وقياسا على كفارة الواطئ في نهار رمضان ، ولا تفرقوا بين الامرين ، فقد ذكر الله تعالى في كلتا الآيتين عتق الرقبة ثم الصيام لشهرين متتابعين ، ثم ذكر تعالى في أحدهما تعويض الاطعام من الصيام ، فافعلوا ذلك في المسكوت عنه من الآية الأخرى ، لا سيما وأنتم