الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٣٦
وقد أجاب أبو بكر بن داود عن هذا السؤال أن قال : إن الذي هو فوق الذرة ذرة وذرة وهكذا ما زاد لأنه زاد على الذرة بعض ذرة ، فذاك البعض إذا أضيف إلى أبعاض الذرة جاء من ذلك مقدار الذرة ، وأما ما دون مثقال الذرة فحكمه مأخوذ من غير هذا المكان .
قال علي : وهذا جواب صحيح ضروري والذي نعتمد عليه عموما في جميع هذا الباب ، فهو الذي قلنا آنفا ، وأن المرجوع إليه في كل ما جرى هذا المجرى نصوص أخر ، أو إجماع متيقن أو ضرورة المشاهد بالحواس والعقل فقط ، فإن لم نجد نصا ولا إجماعا ولا ضرورة اقتصرنا على ما جاء به النص ، وقفنا حيث وقف ولا مزيد وإلا فإن ذكره تعالى لما ذكر من هذه المقادير ، وهذه الأحوال في هذه الآيات كذكره تعالى أخبار بعض الأنبياء عليهم السلام في مكان ، وذكره تعالى لهم في مكان آخر بأكمل مما ذكرهم به في غيرها ، ولا يسأل عما يفعل .
وأما قوله عز وجل : * ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) * فإنما علمنا أن ما عدا الاكل حرام بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام وبآيات أخر وأحاديث أخر ، فبالحديث المذكور حرم التصرف في أموال الناس بغير ما أمر الله تعالى به بالاكل وغير الاكل ، ولو تركنا والآية المذكورة ما حرم بها شئ غير الاكل ، ولكان ما عدا الاكل موقوفا على طلب الدليل فيه إما بمنع وإما إباحة من غيرها ، ولما وجب أن تحكم فيما عدا الاكل من الآية لا بتحريم ولا بتحليل كما يقولون معنا : إن الله حرم الاكل على الصائم ولم يحل عليه تملك الطعام ، ولا ما عدا الاكل من بيه وهبة وغير ذلك فأي فرق بين الاكل المحرم على الصائم ، وبين الاكل المحرم على الناس في أموالهم ؟ وكما أباحوا هم ونحن الاكل من بيت الأب والام والصديق والأقارب المنصوصين ، فهلا أباحوا أخذ ما وجدوا للأقارب ما عدا الاكل قياسا على الاكل المباح أهلا حرموا على الصائم تملك الطعام وبيعه قياسا على ما صح من تحريم الاكل عليه ؟ كما زعموا أنهم إنما حرموا تملك الأموال بالظلم والباطل قياسا على تحريم الله تعالى أكلها بالباطل ، فإذ لم يفعلوا