الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٣٩
ذلك فواجب على هذه المقدمة الفاسدة التي قدموا ، إذا كانت عين ما مما في العالم حراما ، إما أن يكون ما في العالم أوله عن آخره حراما ، قياسا عليه ، لأنه يشبهه ولا بد في بعض الوجوه ، إن تمادوا على هذا سخطوا وكفروا ، وإن أبوا منه تركوا مذهبهم الفاسد في قياس الحكم فيما لم ينص عليه من الأنواع على ما نص عليه منها .
ثم نلزمهم إلزاما آخر وهو : أننا نجد أيضا شيئا آخر حلالا فيلزم أن يكون كل ما في العالم حلالا ، قياسا على هذا ، لأنه أيضا يشبهه من بعض الوجوه ، وهذا إن قالوه ، حمقوا وخرجوا عن الاسلام ، وإن أبوا منه ، تركوا مذهبهم الفاسد ، في قياس الحكم فيما لم ينص عليه من الأنواع على ما نص عليه منها .
ثم تجمع عليهم هذين الالزامين معا ، فيلزمهم أن يجعلوا الأشياء كلها حراما حلالا معا ، قياسا على ما حرم وما حلل ، وهذا تخليط ، ولا شك في فساد كل قول أدى إلى مثل هذا السخف ، فإذ لا شك في بطلان هذا الهذيان ، فالواجب ضرورة أن يحكم بالتحريم فيما جاء فيه النص بالتحريم ، وأن يحكم بالتحليل فيما جاء فيه النص بالتحليل ، وأن يحكم بالايجاب فيما جاء فيه النص بالايجاب ولا يتعدى حدود الله تعالى ، فلم يبق لهم إلا أن يقولوا : إن النص لا تستوعب كل شئ .
قال أبو محمد : وهذا قول يؤول إلى الكفر ، لأنه قول بأن الله تعالى لم يكمل لنا ديننا ، وأنه أهم أشياء من الشريعة ، تعالى الله عن هذا ، والله تعالى أصدق منهم حيث يقول : * ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) * و : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * ، و : * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * فبطل قولهم بالقياس ، والحمد لله رب العالمين .
وما نعلم في الأرض ، بدع السوفسطائية ، أشد إبطالا لاحكام العقول من أصحاب القياس ، فإنهم يدعون على العقل ما لا يعرفه العقل ، من أن الشئ إذا حرم في الشريعة وجب أن يحرم من أجله شئ آخر ، ليس من نوعه ولا نص الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم على تحريمه ، وهذا ما لا يعرفه العقل ولا أوجب العقل قط تحريم شئ ولا إيجابه ، إلا بعد ورود النص ، ولا خلاف في شئ من العقول ، أنه لا فرق بين الكبش والخنزير . ولولا أن الله حرم هذا وأحل هذا ، فهم يبطلون حجج العقول جهارا ، ويضادون حكم العقل صراحا ، ثم