الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٢٤
ههنا ، وإنما هو ائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وكلا الامرين محو من رق ، ليس أحدهما مقيسا على الآخر ، وهكذا الامر حديثا وقديما وإلى يوم القيامة ، وليس إذا كتبت نار ثم محى امتحت النار من الدنيا .
وهذا من جنون الخوارج ، وضعف عقولهم ، إذ كانوا أعرابا جهالا ، بل قولهم في هذا هو القياس المحقق ، لأنهم قاسوا محو الخلافة عن علي ، على محو اسمه من الصحيفة وهذا قياس يشبه عقولهم ، وقد علم كل ذي مسكة عقل أنه إذا محيت سورة من لوح فإنها لا تمحى بذلك من الصدور .
ومن ظن أن بين القياس وبين قول علي نسبة ، فإنما هو مكابر للعيان ، لان القياس إنما هو ، تحريم أو إيجاب أو إباحة في شئ غير منصوص تشبيها له بشئ منصوص ، وليس في هذه القضية تحريم ولا إيجاب ولا تحليل وبالله تعالى التوفيق .
وأما قول ابن عباس للخوارج ، إذ أنكروا تحكيم الحكمين يوم صفين :
إن الله تعالى أمر بالتحكيم بين الزوجين ، وفي أرنب قيمتها ربع درهم ، فإن هذا الخبر حدثناه أحمد بن محمد الجسور ، ثنا وهب بن مسرة ، ثنا محمد بن وضاح ، ثنا عبد السلام بن سعيد التنوخي ، ثنا سحنون ، ثنا عبد الله بن وهب ، عن عمرو ابن الحارث ، عن بكير بن الأشج ، عمن حدثه ، عن ابن عباس قال : أرسلني علي إلى الحرورية لأكلمهم ، فلما قالوا : لا حكم إلا لله ، قلت : أجل صدقتم ، لا حكم إلا لله ، وإن الله قد حكم في رجل وامرأته ، وحكم في قتل الصيد ، فالحكم في رجل وامرأته والصيد أفضل ، أو الحكم في الأمة يرجع بها ويحقن دماؤها ولم شعثها ؟ .
قال أبو محمد : وهذا لا يصح البتة ، : لأنه عمن لم يسم ولا يدري من هو ؟ ثم هبك أنه أصح من كل صحيح ، وأننا شهدنا ابن عباس يقول ذلك ، فإنه ليس من القياس من ورد ولا صدر بل هو نص جلي .
ومعاذ الله أن يظن ذو عقل بأن عليا ومعاوية ومن معهما من الصحابة حكموا في النظر للمسلمين قياسا على التحكيم في الأرنب ، وبين الزوجين فما يظن هذا إلا مجنون البتة وهل تحكيم الحكمين إلا نص قول الله عز وجل : * ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) * فنص تعالى