الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٦١
صلى الله عليه وسلم لم يبين تلك الأشياء وتركها مهملة ، واحتاجوا فيها إلى قياسهم الفاسد .
وقد بينا الكلام في باب مفرد في ديواننا هذا ، وأخبرنا أنه لا يحل لاحد أن يتبع متشابه القرآن ، ولا أن يطلب معنى ذلك المتشابه ، وليس إلا الاقرار به ، وأنه من عند الله تعالى ، كما قال عز وجل في آخر الآية المذكورة : * ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) * وأخبر تعالى فيها فقال : * ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) * فنص تعالى على أن من طلب تأويل المتشابه فهو زائغ القلب ، مبتغي فتنة . ونحن نبرأ إلى الله من هذه الصفة ، فثبت بالنصوص ، ضرورة ، أن تأويل المتشابه ، لا يعلمه أحد إلا الله عز وجل وحده فقط ، لان ابتغاء معرفته حرام ، وما حرم ابتغاء معرفته فقد سد الباب دون معرفته ضرورة ، إذ لا يوصل إلى شئ من العمل إلا بعد ابتغائه ، فما حرم ابتغاؤه فلا سبيل إلى الوصول إليه ، وهذا بين لا خفاء فيه ، وطرق المعارف معروفة محصورة ، وهي : الحواس والعقل اللذان ركبهما الله في المتعبدين من الحيوان ، وهم الملائكة والجن ، ومن وضع من ذلك فيه شئ من الانس ، ثم ما أمر الله بتعرفه وتعرف حكمه فيه ، مما جاء من عنده عز وجل ، وهو القرآن والسنة فقط ، وهذه كلها طرق أمرنا بسلوكها والاستدلال بها ، وقد نهينا عن طلب معنى المتشابه ، فصح أنه لا يوصل إلى معرفة معناه من جهة شم الحواس ، ولا من المعقول ولا من القرآن ولا من السنة ، فإذا كان الامر كذلك فلا سبيل لمخلوق إلى معرفته إلا أن الذي صح في الآي المحكمات التي أمرنا الله بتدبرها وبتعلمها ، وبطلب تأويلها والتفقه فيها . فطاعة القرآن فيما أمر الله تعالى فيه ونهى ، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في الذي أمر فيه ونهى وترك التعدي لهذه الحدود ، وبطلان ما عداها ، فبطل القياس ضرورة لأنه غير هذه الحقائق ، والحمد لله رب العالمين .
واحتجوا فقالوا : حرم الله تعالى لحم الخنزير فحرمتم شحمه والأنثى منه ، وهذا قياس .
قال أبو محمد : وهذا ظن فاسد منهم ، ومعاذ الله أن نحرم شحم الخنزير وأنثاه بقياس ، بل بالاجماع الصحيح وبالنص في القرآن ، ولو كان الشحم كحكم اللحم لوجب ، إذ حرم على بني إسرائيل الشحم ، أن يحرم عليهم اللحم ، فإذا لم يكن ذلك فقد صح أن الشحم لم يحرم من الخنزير قياسا على اللحم .