الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٠٤
فأجازوا شهادة المجلود في الخمر والزنى إذا تاب . وأجاز مالك والشافعي شهادة المجلود في حد القذف إذا تاب ، وهذا خلاف ما في رسالة عمر ، وإن ادعوا إجماعا كذبهم الأوزاعي ، فإنه لا يجيز شهادة مجلود في شئ من الحدود أصلا ، كما في رسالة عمر التي صححوا . وأجازوا شهادة الأخ لأخيه ، والمولى لذي ولائه ، ولم يجعلوهما ظنينين في ولاء وقرابة ، وردوا شهادة الأب العدل لابنه ، وجعلوه ظنين في قرابة ، وليس إجماعا ، لان عثمان البتي وغيره يجيز شهادته له ، وردوا شهادة العبد وهو مسلم . وكل هذا خلاف ما في رسالة عمر ، ومن الباطل المحال أن تكون حجة علينا في القياس ، ولا تكون حجة عليهم فيما خالفوها فيه ، ويكفي في هذا إقرارهم بأنها حق وحجة ، ثم خلافهم ما فيها ، فقد أقروا بأنهم خالفوا الجن والحجة ، ونحن لا نقر بها . ولله الحمد .
والصحيح عن عمر غير هذا من إنكار القياس ، مما سنذكره في هذا الباب إن شاء الله تعالى .
وأما الرسالة التي تصح عن عمر فهي غير هذه ، وهي التي حدثنا بها عبد الله بن ربيع التميمي ، نا محمد بن معاوية المرواني ، نا أحمد بن شعيب النسائي ، نا محمد بن بشار ، نا أبو عامر العقدي ، نا سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق الشيباني ، عن الشعبي ، عن شريح أنه كتب إلى عمر يسأله ، فكتب إليه عمر : أن اقض بما في كتاب الله تعالى ، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن في كتاب الله ، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بما قضى الصالحون ، فإن لم يكن في كتاب الله ، ولا في سنة رسول الله ، ولم يقض به الصالحون ، فإن شئت فتقدم ، وإن شئت فتأخر ، ولا أرى التأخر إلا خيرا لك ، والسلام .
قال أبو محمد : وهذا ترك الحكم بالقياس جملة ، واختيار عمر لترك الحكم إذا لم يجد المرء تلك النازلة في كتاب ولا سنة ولا إجماع ، فسقطت الرواية عن عمر في الامر بالقياس ، لسقوط راويها . ولوجه ثان ضروري مبين لكذب تلك الرسالة ، وأنها موضوعة بلا شك ، وهو اللفظ الذي فيها ، ثم اعمد لأشبهها بالحق