الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٤٠
لا يستحبون أن يصفوا بذلك خصومهم ، فهم كما قال الشاعر :
ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه مراد لعمري ما أراد قريب وأيضا : فإنه يقال لهم : إذا قلتم : إن كل شيئين اشتبها في صفة ما ، فإنه يجب التسوية بين أحكامهما في الايجاب والتحليل وبالتحريم في الدين ، فما الفرق بينكم وبين عكس من عليكم هذا القول بعينه ، فقال : بل كل شيئين في العالم إذا افترقا في صفة ما ، فإنه يجب أن يفرق أحكامهما في الايجاب والتحليل والتحريم في الدين ؟ .
فأجاب بعضهم بأن قال : هذا لا يجب دون أن يأتي بفرق .
قال أبو محمد : وهذا تحكم عاجز عن الفرق ، ويقال له : بل قولك هو الذي لا يجب ، فما الفرق ؟ .
وقال بعضهم : هذا قياس منكم ، فإنكم ترومون إبطال القياس بالقياس ، فأنتم كالذين يرومون إبطال حجة العقل بحجة العقل .
قال أبو محمد : فيقال لهم ، وبالله تعالى التوفيق ، لم نحتج عليكم بهذا تصويبا منا له ولا للقياس ، لكن أريناكم أن قولكم بالقياس ينهدم بالقياس ، ويبطل بعضه بعضا وليس في العالم أفسد من قول من يفسد بعضه بعضا ، فأنتم إذا أقررتم بصحة القياس فنحن نلزمكم ما التزمتم به ونحجكم به ، لأنكم مصوبون له ، مصدقون لشهادته ، وهو قولكم بالفساد وعلى مذاهبكم بالتناقض ، أقررتم به أو أنكرتموه ، وأما نحن فلم نصوبه قط ، ولا قلنا به ، فهو يلزمكم ولا يلزمنا ، وكل أحد فإنما يلزمه ما التزم ، ولا يلزم خصمه ، كما أن أخبار الآحاد المتصلة بنقل الثقات لازم لنا للاحتجاج بها علينا في المناظرة ، ولا نلزم من أنكرها ، فمن ناظرنا بها لم ندفعه عما يلزمنا بها ، وهذا هو فعلنا بكم في القياس .
وأما تشبيهكم إيانا في ذلك بمن جنح في إبطال حجة العقل بحجة العقل ، فتشبيه فاسد ، لان المحتج علينا في إبطال حجة العقل لا يخلو من أحد وجهين : إما أن يصوب ما يحتج به ويحققه فقد تناقض ، أو يبطل ما يأتي به فقد كفانا مؤنته ، ولسنا نحن كذلك في احتجاجنا عليكم بالقياس ، لكنا نقول لكم : إن كان القياس حقا عندكم فإنه يلزمكم منه كذا وكذا ، وليس يقول لنا المبطلون لحجج العقول هكذا ، لكنهم محققون لما يحتجون به ، فيتناقضون إذا حققوا ما أبطلوا ، كما