الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٢٦
قد عوض من الصيام بالاطعام في كفارة الظهار التي قسنا آنفا رقبتها على رقبة القتل ، وقاس بعضهم التيمم على الوضوء ، أن لا بد من بلوغ التيمم إلى المرفقين وأبوا أن يقيسوا مسح الرأس في التيمم على مسحه في الوضوء .
وقالوا : الحكم المسكوت عنه بحكم المذكور ههنا ، ثم لم يقيسوا قوله تعالى في الرجعة : * ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) * على قوله تعالى في الدين : * ( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ) * فقالوا : هذا لا نحكم عنه للمسكوت عنه بحكم المذكور ، وقالوا هنالك : نحكم للمسكوت عنه بحكم المذكور .
وأما الحنفيون فحكموا في آيتي الشهادة المسكوت عنه بحكم المذكور ، فقبلوا النساء في الرجعة والطلاق والنكاح وفي آية التيمم ، فأوجبوا إلى المرفقين ، ولم يحكموا في رقب الظهار والقتل والكفارة للمسكوت عنه بحكم المذكور ، ولا حكموا لغير السائمة بحكم السائمة ، ففرقوا ههنا بين المسكوت عنه وبين المذكور ، فكل طائفة منهم تحكمت في دين الله بعقولها وتقليدها الفاسد ، بلا برهان .
وقد احتج بعضهم علي حيث وافق هواه ، بأن البدل حكمه حكم المبدل منه فأعلمته بأن ذلك باطل بلغة العرب التي خوطبنا بها في القرآن والسنة ، وبحكم الشريعة ، أما اللغة فإن البدل على أربعة أضرب : بدل البعض من الكل ، وبدل البيان ، وبدل الغلط ، وبدل الصفة من الموصوف ، فليس في هذه الوجوه بدل يكون حكمه حكم المبدل منه إلا بدل البيان وحده ، كقولك : مررت بزيد رجل صالح على أن أحدهما نكرة الآخر معرفة ، وأما القرآن فقد أبدل الله تعالى من عتق رقبة الكفارة ، صيام ثلاثة أيام ، ومن عتق رقبة الظهار صيام شهرين متتابعين ، وأبدل من عتق رقبة الكفارة إطعام عشرة مساكين ، ومن هؤلاء العشرة صيام ثلاثة أيام ، وأبدل من صيام الشهرين إطعام ستين مسكينا ، وأبدل تعالى من هدي المتعة صيام عشرة أيام ، ومن هدي الأذى صيام ثلاثة أيام فبطل ما ادعوه .
وقالت طائفة منهم في قوله صلى الله عليه وسلم : من مس فرجه فليتوضأ لا ينقض الوضوء إلا من مسة بباطن يده دون ظاهرها ، فلم يحكموا في ذلك بكل ما يقع عليه اسم مس .