الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٣٥
يشبهه ؟ قال : نعم ، قال : فإنك أمرتني بسوق الطبيب لالتياثك ، وليس يشبه العلة وإحضار الطبيب إلا الموت ، والموت يوجب حضور الغاسل والنعش والحفار لحفر القبر ، فأحضرت كل ذلك ، وفعلت ما أمرتني وما يشبهه .
فنحن نقول : إن هذا الغلام أعذر في الائتمار لأمر مولاه في الإبريق الفارغ ، إذ لعله يريد أن يعرضه على جليسه أو يبيعه أو يقبله لمذهب له فيه : منه في جلب الحفار والغاسل والنعش ، قياسا على العلة والطبيب ، ولقد كان الغلام قوي الفهم في القياس ، إذ لا قياس بأيديكم إلا مثل هذا . وهو أن تشبهوا حالا بحال في الأغلب ، فتحكمون لهما بحكم واحد ، وهو باب يؤدي إلى الكهانة الكاذبة ، والتخرص في علم الغيب ، والتحذلق في الاستدراء على الله تعالى ، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم فيما لم يأذن به عز وجل ، وبالله تعالى نعوذ من ذلك .
واحتجوا فقالوا : أنتم تقولون : إذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عين ما ، فهو حكم واحد في جميع نوع تلك العين التي يقع عليها اسم نوعها . وهذا قياس .
قال أبو محمد : هذا تمويه زائف ، وقد بينا وجه هذه المسألة وهو أنه عليه السلام بعث إلى كل من يخلق إلى يوم القيامة ، من الإنس والجن ، وليحكم كل نوع من أنواع العالم بحكم ما أمره به ربه تعالى ، ولا سبيل إلى أن يخاطب عليه السلام من لم يخلق بعد بأكثر من أن يأمر بالامر ، فيلزم النوع كله ، إلا أن يخص عليه السلام كما خص أبا بردة بن نيار بقوله : يجزيك ولا تجزئ جذعة عن أحد بعدك .
قالوا : فهلا قلتم في أمره صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت حبيش بما أمرها به إذا استحيضت - إنه لازم لكل امرأة تسمى فاطمة .
فيقال لهم وبالله تعالى التوفيق : لم ينص عليه السلام على أن ذلك حكم كل امرأة تسمى فاطمة ، وإنما نص صلى الله عليه وسلم على أن دم الحيض أسود يعرف ، فإذا أقبل فافعلي كذا . وإذا أدبر فافعلي كذا ، فنص صلى الله عليه وسلم على صفة الحيض والطهر والاستحاضة ، وعلى حكم كل ذلك متى ظهر ، فوجب التزام ذلك متى وجد الحيض أو الطهر أو الاستحاضة .