الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٨٨٨
القضية التي خوطبنا بها موافق لحكم هذه التي خوطبنا بها ولا مخالف .
ومثلوا القسم الأول بقوله تعالى : * ( ولا تقل لهما أف ) * قالوا : ففهمنا أن غير * ( أف ) * بمنزلة إف وبآيات كثيرة سنذكرها في باب القياس من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ، لان ذلك المكان أمكن بذكرها .
ومثلوا القسم الثاني بأمثلة اضطربوا فيها ، فقال الشافعيون والحنفيون : من ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : في سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة قالوا : فدل ذلك على أن ما عدا السائمة لا زكاة فيها وأنها ليست بمنزلة السائمة وأدخل المالكيون هذا الحديث في القسم الأول وقالوا : بل ما دل إلا أن غير السائمة بمنزلة السائمة ، وقال الألوان : هذا بمنزلة من قال إذا دخل زيد الدار فأعطه درهما فيعلم أن هذا شرط فيه ، وإنه إن دخل أعطى درهما وإن لم يدخل لم يعط شيئا .
ومثل المالكيون هذا القسم الآخر بقوله تعالى : * ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ) * قالوا : فدل ذكر الركوب والزينة على أن ما عداهما ممنوع كالأكل ونحوه .
قال أبو محمد : فأما هؤلاء المتحيرون الذين ذكرنا آخرا ، يعني الذين قالوا :
إن الخطاب قد يدل في مواضع على أن ما عداه بخلافه ، ويدل في مواضع أخر على أن ما عداه ليس بخلافه ، فإنهم لعبوا في هذا المكان بالخطاب كما يلعب بالمخراق ، فمرة حكموا لغير المنصوص بأن المنصوص يدل على أن حكمه كحكمه ، ومرة حكموا بأن المنصوص يدل على أن حكمه ليس كحكمه ، فليت شعري كيف يمكن أن يكون خطابان يردان بالحكم في اسمين ، فيفهم من أحدهم أن غير الذي ذكر مثل الذي ذكر ، ويفهم من الآخر أن غير الذي ذكر بخلاف الذي ذكر ؟ وهذا ضد ما فهم من الأول ، وتالله ما خلق الله تعالى عقلا يقوم فيه هذا إلا عقل من غالط نفسه فتوهم ما لا يصح بدعوى لا يعجز عن مثلها أحد بلا دليل ، وكل من لم يبال بما قال يقدر أن يدعي أنه فهم من هذا اللفظ غير ما يعطي ذلك اللفظ .
قال أبو محمد : وأما أكياسهم فإنهم سموا القسم الأول قياسا وسموا الثاني دليل الخطاب ، فقد رأوا إذ فرقوا بين معنى واحد باسمين أنهم قد سلموا بذلك من التناقض ، وهم من التورط فيه بمنزلة من سمى كل ذلك دليل الخطاب ولا فرق .