الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٣٣
أن من سبهما أو تبرم عليهما أو منعهما رفده في أي شئ كان من غير الحرام ، فلم يحسن إليهما ولا خفض لهما جناح الذل من الرحمة .
ولو كان النهي عن قول : * ( أف ) * ؟ مغنيا عما سواه من وجوه الأذى لما كان لذكر الله تعالى في الآية نفسها ، مع النهي عن قول : * ( أف ) * ؟ ، النهي عن النهر والامر بالاحسان ، وخفض الجناح والذل لهما معنى ، فلما لم يقتصر تعالى على ذكر آلاف وحده ، بطل قول من ادعى أن بذكر آلاف علم ما عداه . وصح ضرورة أن لكل لفظة من الآية معنى غير سائر ألفاظها ، ولكنهم جروا على عادة لهم ذميمة من الاقتصار على بعض الآية والاضراب عن سائرها ، تمويها على من اغتر بهم ، ومجاهرة لله تعالى بما لا يحل من التدليس في دينه .
كما فعلوا في ذكرهم في الاستنباط قول الله تعالى : * ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) * وأضربوا عن أول الآية في قوله تعالى : * ( ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الامر منكم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) * وأول الآية مبطل للاستنباط .
وكما فعل من فعل منهم في قول الله تعالى : * ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) * وأضربوا عما بعدها من قوله تعالى : * ( واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ) * .
قال أبو محمد : ومن البرهان الضروري على أن نهي الله تعالى عن أن يقول المرء لوالديه : ( أف ليس نهيا عن الضرب ولا عن القتل ولا عما عدا آلاف ، أن من حدث عن إنسان قتل آخر أو ضربه حتى كسر أضلاعه وقذفه بالحدود ، وبصق في وجهه فشهد عليه من شهد ذلك كله ، فقال الشاهد : إن زيدا ، يعني القاتل أو القاذف أو الضارب ، قال لعمرو : يعني المقتول أو المضروب أو المقذوف ، لكان بإجماع منا ومنهم كاذبا آفكا شاهد زور مفتريا مردود الشهادة فكيف يريد هؤلاء القوم بنا أن نحكم بما يقرون أنه كذب ؟ . فكيف يستجيزون أن ينسبوا إلى الله تعالى الحكم بما يشهدون أنه كذب ؟ ونحن نعوذ بالله العظيم من أن نقول : إن نهي الله عز وجل عن قول : للوالدين يفهم منه النهي عن الضرب لهما أو القتل أو القذف ، فالذي لا شك فيه عند كل من له معرفة بشئ من اللغة العربية أن القتل والضرب والقذف لا يسمى شئ من ذلك فبلا شك يعلم