الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٣٠
نوع البيض وكلاهما ينكسر إذا لاقا جسما صليبا مكتنزا . ونحن لو خرطنا صفة بيضة من عاج أو من عود البقس حتى تكون أشبه ببيضة النعامة من الماء بالماء ، ولم تشبه بيضة الحجلة إلا في الجسمية فقط ثم ضربنا بها الحجر لما انكسرت . فصح أن الشبه لا معنى له في إيجاب استواء الاحكام البتة ، وبطل قولهم : إننا علمنا انكسار ما بأيدينا من البيض لشبهها بما شاهدنا انكساره منها ، وصح أنه من أجل الشبه بينهما وجب انكسار هذه كانكسار تلك .
وإنما الذي يصح بهذا فهو قولنا : إن كل ما كان تحت نوع واحد فحكمه مستو وسواء اشتبها أو لم يشتبها . فقد علمنا أن العنب الأسود الضخم المستطيل أو المستدير أشبه بصغار عيون البقر الأسود منه بالعنب الأبيض الصغير ، لكن ليس شبهه به موجبا لتساويهما في الطبيعة ، ولا بعده عن مشابهة العنب بموجب لاختلافهما في الطبيعة ، فبطل حكم التشابه جملة ، وصح أن الحكم للاسم الواقع على النوع الجامع لما تحته .
وهكذا قلنا نحن : إن حكمه صلى الله عليه وسلم في واحد من النوع حكم منه في جميع النوع ، وأما القياس الذي ننكر فهو : أن يحكم لنوع لا نص فيه بمثل الحكم في نوع آخر قد نص فيه ، كالحكم في الزيت تقع فيه النجاسة بالحكم في السمن يقع فيه الفأر ، وما أشبه هذا ، فهذا هو الباطل الذي ننكره ، وبالله التوفيق .
ومعرفة المرء بأول طبيعته لا ينكرها إلا جاهل أو مجنون ، فنحن نجد الصغير يفر عن الموت ، وعن كل شئ ينكره وعن النار ، وإن كان لم يحترق قط ، ولا رأى محترقا ، وعن الاشراف على المهواة ونجده يضرب بيده إذا غضب ، وهو لا يعلم أن الضرب يؤلم ، ويعض بفمه قبل نبات أسنانه وهو لم يعضه قط أحد فيدري ألم العض . نعم حتى نجد ذلك في الحيوان غير الناطق ، فنجد الصغير من الثيران ينطح برأسه قبل نبات قرنيه ، والصغير من الخنازير يشتر بفمه قبل كبر ضرسه ، والصغير من الدواب يرمح قبل اشتداد حافره ، وهذا كثير جدا .