الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٣٨
تعالى على الامساك ، والامساك على عمومه يقتضي النقير وغير النقير ، وأقل من النقير وأكثر منه .
واحتجوا في ذلك أيضا بقول الله تعالى : * ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) * وبقوله تعالى : * ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم ) * قالوا : فلم يخص الله تعالى ما قال أولو الامر منا بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم مما قالوه بقياس .
قال أبو محمد : هذا الاحتجاج منهم جمع الشناعة والاثم لان الله تعالى لم يأمر قط أولي الامر منا أن يقولوا بآرائهم ولا بقياساتهم ، ولا أن يقولوا ما شاؤوا ، وإنما أمرهم الله تعالى أن يقولوا ما سمعوا ، أو يتفقهوا في الدين الذي أنزله الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم وينذروا بذلك قومهم ، وهذا بين في قوله تعالى : * ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) * ، وفي قوله تعالى : * ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ) * ، وفي قوله تعالى : * ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) * ، وفي قوله تعالى : * ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) * . قال أبو محمد : ومن قال بقياسه فقد تعدى حدود الله ، وقفا ما لا علم به ، وأخبر عن الله تعالى بما لا يعلم أحد ما عند الله تعالى إلا بإخبار من الله تعالى بذلك ، وإلا فهو باطل ، وقد بينا فيما خلا أن قول الله تعالى : * ( أولي الامر منكم ) * إنما هو جميع أولي الامر لا بعضهم ولم يجمعوا قط على القول بالقياس ، فكيف نكون نحن مأمورين باتباعهم فيما افترقوا فيه ؟ . وهذا ضد أمر الله تعالى في القرآن وبرهان قاطع وهو أن الله تعالى قال : * ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) * وحدود الله تعالى هي كل ما حد وبين فصح أنه ليس لأحد أن يتعدى في شئ من الدين ما حده الله تعالى في القرآن ، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بالوحي فبطل أن يحمل أولوا الامر على تعدي حدود الله تعالى ، لأنه باطل فقد اتفقنا أنهم لا يجمعون على باطل ، وكل ما لم يكن من حدود الله تعالى ، ووحيه فهو من عند الله ضرورة لا بد من ذلك ، وقد قال تعالى : * ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) * .