الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٢٦
ثم قد روينا عن علي : أنه كان لا يرى قتل اثنين بواحد ، فلو قاله لكان قد تركه ورجع عنه ، ورآه باطلا من الحكم .
فهذا كل ما ذكروه مما روي عن الصحابة ، قد بيناه بأوضح بيان ، بحول الله تعالى وقوته ، أنه ليس لهم في شئ منه متعلق ، وهو أنه إما شئ بين الكذب لم يصح ، وإما شئ لا مدخل للقياس فيه البتة .
فإذا الامر كما ترون ، ولم يصح قط عن أحد من الصحابة القول بالقياس ، وأيقنا أنهم لم يعرفوا قط العلل التي لا يصح القياس إلا عليها عند القائل به ، فقد صح الاجماع منهم رضي الله عنهم على أنهم لم يعرفوا ما القياس ، وبأنه بدعة حدثت في القرن الثاني ، ثم فشا وظهر في القرن الثالث ، كما ابتدأ التقليد والتعليل للقياس في القرن الرابع ، وفشا وظهر في القرن الخامس .
فليتق الله امرؤ على نفسه وليتداركها بالتوبة والنزوع عمن هذه صفته ، فحجة الله تعالى قد قامت باتباع القرآن والسنة ، وترك ما عدا ذلك من القياس والرأي والتقليد .
ولقد كان من بعض الصحابة نزعات إلى القياس ، أبطلها رسول الله صلى الله عليه وسلم نذكرها إن شاء الله تعالى في الدلائل على إبطال القياس إذا استوعبنا بحول الله تعالى وقوته كل ما اعترضوا به .
وبقيت أشياء من طريق النظر موهوا بها ، ونوردها إن شاء الله تعالى ، ونبين بعونه عز وجل بطلان تعلقهم ، وأنه لا حجة لهم في شئ منها ، كما بينا ، بتأييد الله تبارك وتعالى ، ما شغبوا به من القرآن ، وما موهوا به من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وما لبسوا به من الاجماع وما أوهموا به من آثار الصحابة ، وبالله تعالى التوفيق .
فمن ذلك : أنهم قالوا : إن القياس هو من باب الاستشهاد على الغائب بالحاضر ، فإن لم يستشهد بالحاضر على الغائب فلعل فيما غاب عنا نارا باردة .