الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٨٩
قال أبو محمد : ومن أعاجيب أهل القياس : أنهم في هذا المكان يحتجون بأن إمامة أبي بكر كانت قياسا لا نصا ، ثم نسوا أنفسهم - أو تناسوا عمدا ؟ فإذا أرادوا إثبات التقليد للمصاحب قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر .
قال أبو محمد : وهذا أعجب ما شئت منه فإن كان هذا الحديث صحيحا فقد صح النص من رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلافة أبي بكر بعده ، ثم على خلافة عمر بعد أبي بكر ، وبطل قولهم : إن بيعة أبي بكر كانت قياسا على صلاته بالناس ، وإن كان هذا الحديث لا يصح فلم احتجوا به في تقليد الإمام من الصحابة ؟
أفيكون أقبح من هذه المناقضات بما يبطل بعضه بعضا ؟ ولكن إنما شأن القوم نصر المسألة التي يتكلمون فيها بما أمكن ، من حق أو باطل أو ضحكة ، أو بما يهدم عليهم سائر مذاهبهم ، ليوهموا من بحضرتهم من المغرورين بهم أنهم غالبون فقط ، فإذا تركوها وأخذوا في غيرها ، لم يبالوا أن ينصروها أيضا بما يبطل قولهم في المسألة التي تركوا ، وهكذا أبدا ونعوذ بالله من الخذلان .
واحتجوا بأن أبا بكر قاتل أهل الردة مع جميع الصحابة قياسا على منع الصلاة ، واحتجوا في ذلك بما روي من قوله : لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، حتى إن بعض أصحاب القياس قال : على هذا عول أبو بكر ، لا على الآية التي في براءة .
قال أبو محمد : وهذا من الجرأة واستحلال الكذب ، ونسب الضلال إلى أبي بكر بحيث لا مرمى وراءه ، ومن نسب هذا إلى أبي بكر فقد نسب إليه الضلالة ، وقد أعاذه الله من ذلك ، وبيان كذبهم في هذا الاعتراض أوضح من كل واضح لان أبا بكر لم يقل لأقاتلنهم لأنهم فرقوا بين الصلاة والزكاة وإنما قال : لأقاتلن المفرقين بين الصلاة والزكاة ، وإنما فعل ذلك - بلا شك - وقوفا عند إلزام الله تعالى لنا وللمسلمين قديما وحديثا إذ يقول تعالى : * ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) * فلم يبح الله تعالى لنا ترك سبيلهم إلا بإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، فهذا الذي حمل أبا بكر على قتالهم لا ما يدعونه من الكذب المفضوح من القياس الذي لا طريق له ههنا .