الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٨٠
وأيضا فالصحابة عشرات ألوف ، روى الحديث منهم ألف وثلاثمائة ونيف مذكورون بأسمائهم ، وروى الفقه والفتيا منهم عن نحو مائة ونيف وأربعين ، مسمين بأسمائهم ، حاشا الجمل المنقول عن أكثرهم أو جميعهم ، كإقامة الصلاة وأداء الزكاة ، والسجود فيما سجد بهم إمامهم فيه من سجود القرآن ، والاشتراك في الهدى ، والصلاة الفريضة خلف التطوع ، ومثل هذا كثير ، وإنما أوردنا بنقل الفتيا من ذكر عنه باسمه أنه أجاز أمر كذا أو نهى عن أمر كذا ، أو أوجب كذا ، أو عمل كذا ، فما منهم أحد روي عنه إباحة القياس ، ولا أمر به البتة بوجه من الوجوه ، حاشا الحديث الواحد الذي ذكرنا آنفا ، وسنذكره إن شاء الله تعالى بإسناده ، ونبين وهيه وسقوطه .
وروي أيضا نحو عشر قضايا ، فيها العمل بما يظن أنه قياس ، فإذا حقق لم يصح أنه قياس ، منها صحيح السند ، ومنها ساقط السند ، ويروى عنهم أكثر من ذلك وأصح في إبطال القياس نصا .
وأما القول بالعمل التي يقول بها حذاق القياسيين عند أنفسهم ، ولا يرون القياس جائزا إلا عليها ، فباليقين ضرورة تعلم ، أنه لم يقل قط بها أحد من الصحابة بوجه من الوجوه ، ولا أحد من التابعين ، ولا أحد تابعي التابعين ، وإنما هو أمر حدث في أصحاب الشافعي ، واتبعهم عليه أصحاب أبي حنيفة ، ثم تلاهم فيه أصحاب مالك . وهذا أمر متيقن عندهم وعندنا ، وما جاء قط في شئ من الروايات عن أحد من كل من ذكرنا أصلا ، لا في رواية ضعيفة ولا سقيمة ، أن أحدا من تلك الاعصار علل حكما بعلة مستخرجة يجعلها علامة للحكم ، ثم يقيس عليها ما وجد تلك العلة فيه ، مما لم يأت في حكمه نص ، وإذا لا يجوز القياس عند جمهور أصحاب القياس إلا على علة جامعة بين الامرين هي سبب الحكم وعلامته ، وإلا فالقياس باطل ، ثم أيقنوا هم ونحن على أن ليس أحد من الصحابة ولا من تابعيهم ، ولا من تابعي تابعيهم نطق بهذا اللفظ ، ولا نبه على هذا المعنى ، ولا دل عليه ولا علمه ، ولا عرفه ، ولو عرفوه ما كتموه فقد صح إجماعهم على إبطال القياس بلا شك .
وقد اضطر هذا الامر وهذا البرهان طائفة من أصحاب القياس إلى الفرار من ذكر العلل وتعليل الاحكام جملة ، وعن لفظ القياس ، ولجؤوا إلى التشبيه