الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٧٣
الرمل كأنها الظباء فيدخل فيها البعير الأجرب فتجرب كلها ، فقال صلى الله عليه وسلم ومن أعدى الأول ؟ .
قال أبو محمد : وهذا كما قبله وأطم ، وما فهم قط أحد أن هذا القياس وجها ، بل فيه إبطال القياس حقا ، لأنهم أرادوا أن يجعلوا الإبل إنما جربت من قبل الأجرب الذي انتقل حكمه إليها ، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الظن الفاسد ، وأخبر أن كل ذلك وارد من قبل الله عز وجل ، وأنه فعل ذلك بالإبل والنعم ولافرق .
وذكروا ما حدثناه أحمد بن قاسم ، ثنا أبي قاسم بن محمد بن قاسم ، ثنا جدي قاسم بن أصبغ ، ثنا إسماعيل - هو ابن إسحاق ، ثنا علي - هو ابن المديني - ثنا عبد الاعلى بن عبد الاعلى ، ثنا هشام - هو ابن حسان - عن الحسن ، عن عمران ابن الحسن قال : أسرينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة ، فلما كان من آخر السحر عرسنا ، فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس ، فجعل الرجل يثب دهشا فزعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم . اركبوا . فركب وركبنا ، فسار حتى ارتفعت الشمس ، ثم نزل فأمر بلال فأذن ، قضى حاجاتهم ، وتوضؤوا فصلينا ركعتين قبل الغداة ، ثم أقام فصلى بنا فقلنا : يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد ؟
فقال : لا ينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم قالوا : فقاس صلى الله عليه وسلم حكم قضاء صلاتين مكان صلاة على الربا .
قال أبو محمد : وهذا باطل من وجوه أحدها : أنه قد تكلم في سماع الحسن من عمران بن الحصين ، فقيل : سمع منه ، وقيل لم يسمع منه ، وأيضا فإنه قد صح من طريق جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال جابر : كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم دين فقضاني وزادني فهذا أشبه بالربا من صلاتين مكان صلاة ، إلا أن هذا حلال والربا حرام ، وأيضا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن جامع عامدا في يوم رمضان أن يصوم مكانه ستين يوما أو ثمانية وخمسين يوما أو تسعة وخمسين يوما ، فلو كان القياس كما ذكروا لكان هذا عين الربا على أصلهم ، وأيضا