الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٦٤
قال أبو محمد : وهذا خطأ وقول فاسد ، لان الله تعالى لم ينص على أن يبدأ في ذلك من مكان من اليدين بعينه ، وإنما جعل عز وجل المرافق نهاية موضع الغسل لا نهاية عمل الغسل ، فكيف ما غسل الغاسل ما بين أطراف الأنامل إلى نهاية المرافق فقد فعل ما أمر به في النص ولا مزيد .
واحتج بعضهم بقول الله تعالى : * ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) * قالوا : وإنما قال ذلك تعالى في الطلاق والرجعة ، يعني اشتراط العدالة ، واشترط تعالى الرضا في الرجل والمرأتين في الديون فقط ، فكان ذلك في سائر الأحكام قياسا على الطلاق والرجعة .
قال أبو محمد : وهذا الاحتجاج من غريب نوادرهم فأول ذلك أن المحتج بهذا إن كان مالكيا فقد نسي نفسه في إباحتهم شهادة الطبيب الفاسق ، وفي شهادة الصبيان في الدماء والجراحات خاصة ، وهم غير موصوفين بعدالة ، ولم يقس على ذلك الصبايا ولا تحريق الثياب . وإن كان حنفيا فقد نسي نفسه في قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض ، ونقضهم كلهم هذا الأصل في رد شهادة العبيد العدول والأقارب العدول ، وأما نحن فلم نأخذ قبول شهادة العدول فيما عدا الطلاق والرجعة والديون قياسا على ذلك ، ونعوذ بالله من هذا ، وإنما لزم قبول العدول في كل موضع حاشا ما استثناه النص من قبول شهادة الكفار في الوصية في السفر فقط ، فمن قول الله تعالى : * ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) * فنهانا الله تعالى عن قبول الفاسق ، ليس في البالغين العقلاء ، إلا فاسق أو عدل ، فوجب علينا التبين في كل شاهد ، وكل مخبر حتى نعلم أفاسق هو فلا نعمل بخبره ولا بشهادته إذا أنبأنا بها ، أو نعلم أهو عدل ؟ فنعمل بخبره وشهادته فبطل ظن هذا الجاهل .
وأما قبول عدلين في سائر الأحكام ، فقد كان يلزم هذا الجاهل ، إن التزم القياس ، أن يقيس جميع الشهادات في السرقة والقذف والخمر والقصاص والقتل على الشهادة في الزنى فلا يقبل في شئ مما ذكرنا إلا أربعة شهداء لا أقل ، لان الحدود بالحدود أشبه من الحدود بالطلاق والرجعة والديون ، والزنى حد ، وكل ما ذكرناه في السرقة والقذف والخمر حد .