الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٥٥
وجميع النبات ، وهذا مما لا يقوله إلا ممرور ، وإنما أخبر تعالى في كل هذه الآيات بأنه يحيي الأرض ويحيي الموتى ويقدر على كل ذلك ، لا على أن بعض ذلك مقيس على بعض البتة .
وذكروا أيضا في ذلك قول الله تعالى : * ( ويقول الانسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ) * ، وبقوله تعالى :
* ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم قال أبو محمد : هذا هو إبطال القياس على الحقيقة ، لأنه لا سبيل إلى أن يخلق ثانية من نطفة ، ولا من علقة ، ولا من مضغة ، فإنما معنى هذه الآية : من الله تعالى علينا وتذكيره لنا بقدرته على ما يشاء لا إله إلا هو . وكذلك الآية التي قبلها : أن الانسان لم يك شيئا ، ثم خلق ، ولا سبيل إلى أن يعود لا شئ أبدا ، بل نفسه عائدة إلى حيث رآها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ، ويعود الجسم ترابا ، ثم يجمعان يوم القيامة فيخلد حيا باقيا أبد الأبد بلا نهاية ولا فناء ، في نعيم أو عذاب فبطل القياس ضرورة من حيث راموا إثباته تمويها على اغترابهم .
وهذه الآيات كلها هي بمنزلة قوله تعالى : * ( أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها ) * فإنما بين قدرته على ما شاهدنا ، وعلى ما أخبرنا به مما لم نشاهد وهذا إبطال للقياس ولظنون الجهال ، لان الله تعالى نص على تشابه الأشياء كلها بعضها لبعض ، ولم يوجب من أجل ذلك التشابه أن تستوي في أحكامها ، وهذا هو نفس قولنا في إبطال القياس في تسوية الاحكام بين الأشياء المشتبهات ، وبالله التوفيق .
ومثل ذلك قوله تعالى : * ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح ) * وكقوله تعالى : * ( إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون ) * الآيات إلى قوله تعالى : * ( كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) * .
قال أبو محمد : ولا شبه أقوى من شبه شهد الله تعالى بصحبته ، فإذا كان الله تعالى قد شبه الحياة الدنيا بالنبات النابت من الماء النازل من السماء ، فهي أشبه الأشياء