الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٤٢
وقال الحسن البصري : يبتاعه بكل ما يملك إن لم يبع منه بأقل .
قال أبو محمد : ولعل من حجة أصحابنا أن يقولوا : إن قوله تعالى : * ( فلم تجدوا ماء ) * يقتضي بعموم هذا اللفظ واجده بالابتياع والاستيهاب كما يقول القائل :
أمر كذا موجود في السوق ، فيقولوا إن واجده بالابتياع والاستيهاب واجد للماء .
قال أبو محمد : وأما نحن فلا يجوز عندنا بيع الماء البتة بوجه من الوجوه ، ولا بحال من الأحوال ، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الماء ، فهذا عندنا على عمومه ، وقولنا هذا هو قول إياس بن عبد الله المزني ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره .
فلا يجوز ابتياع الماء للوضوء البتة ولا للغسل ، لأنه منهي عن ابتياعه ، وهو غير واجد للماء ، فحكمه التيمم إلا أن يتطوع عليه صاحب الماء بأن يهبه إياه ، فذلك جائز ، وهو حينئذ واجد للماء مالك له ، ففرضه التطهر به ، وأما من اضطر إلى شرب الماء ، وخشي الهلاك من العطش ، ولم يجد من يتطوع له بماء يحيي به رمقه ، ففرض عليه إحياء نفسه كيف أمكن ، بغلبة أو بأخذه سرا مختفيا بذلك ، أو بابتياعه ، فإذا لم يقدر على غير البيع فابتاعه فهو حينئذ جائز له ، والثمن حرام على البائع ، وهو باق على ملك المبتاع المضطر ، وهو بمنزلة من اضطر إلى ميتة أو لحم خنزير فلم يجده مع ذلك إلا بثمن ، ففرض عليه أن يبتاعه لاحياء نفسه . وكذلك ما يبذل من المال في فدى الاسرى ، وفي الرشوة لدفع المظلمة ، فهذا كله باب واحد ، وهو مباح للمعطي وحرام على الآخذ ، لان المعطي مضطر ، والآخذ آكل مال بالباطل ، عاص لله تعالى ، نعوذ بالله .
ثم نعكس عليهم اعتراضهم هذا فنقول لهم ، وبالله تعالى التوفيق : إن كان هذا عندهم قياسا فيلزمهم أن يقولوا بقول الحسن في ابتياع الماء بكل ما يملك ، لأنه واجد له ، فلا يسعه التيمم مع وجود الماء ، كما يقولون فيمن لم يجد رقبة إلا بكل ما يملك ، وهو قادر على اكتساب ما يقوم بقوته وقوت عياله بعد ذلك ، فإنه لا يجزيه عندهم إلا ابتياع الرقبة بملكه كله ، فإن لم يقولوا في الماء كذلك فقد تناقضوا وتركوا القياس الذي يزعمون أنه دين ، وهذا ما لا انفكاك منه .
واحتجوا بقوله تعالى : * ( أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم ) * ،