الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٤١
لو قالوا كما أمرنا تعالى إذا قتلنا الصيد المحرم علينا قتله أن نجزيه بمثله من النعم .
فكذلك إذا قتلنا شيئا من النعم حراما علينا لملك غيرنا له ، فواجب علينا أن نجزيه بمثله من الصيد ، وأيضا فكما قاسوا ملك الله تعالى الصيود فأوجبوا الجزاء على قاتلها مخطئا ، وخالفوا القرآن في ذلك قياسا على ملك الناس ، فواجب عليهم على أصلهم الفاسد أن يقيسوا ملك الناس من النعم ، ومن الصيد إذا قتله فيلزموه أن يجزيه بمثله ، إن كان صيدا فمن النعم ، وإن كان من النعم فمثله من الصيد . فهذا حقيقة القياس الذي إن قالوه كفروا ، وإن تركوا القياس وتناقضوا ووفقوا في تركهم له ، وأيضا فإن كانت هذه الآية متيحة للقياس ، فينبغي ألا يكون إلا حتى يحكم فيه ذوا عدل منا ، أو يكون عدل ذلك صياما . فهكذا هو الحكم في الآية ، وأما الآية المذكورة فلا نسبة بينها وبين القياس البتة ، وإنما فيها أن الصيد يكون مثلا للنعم وهذا أمر لا ننكره ، فالعالم كله متماثل في بعض أوصافه ، وإنما أنكرنا أن نحكم في الديانة شئ لم يأت فيه ذلك الحكم من الله تعالى بمثل الحكم المنصوص فيما يشبهه ، فهذا هو الباطل والخطأ والحرام الذي لا يحل وبالله تعالى نتأيد .
واحتج أيضا بعضهم بقول الله تعالى : * ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) * وبقوله تعالى :
* ( فتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ) * قالوا : فقستم واجد الثمن للماء والثمن للرقبة ، وإن لم يكن عنده رقبة ولا ماء ، على من عنده الرقبة والماء ، فلم تجيزوا لهما التيمم ولا الصيام .
قال أبو محمد : وهذا من ذلك التمويه المعهود ، ويعيذنا الله تعالى أن نقول بالقياس في شئ من الدين ، وليس ما ذكروا قياسا ولكنه نص جلي بلا تأويل فيه البتة ، لان الله تعالى إنما قال في آية كفارة قتل الخطأ والعود للظهار بعد إيجاب الرقبة .
* ( فمن لم يجد فصيام شهرين ) * ولم يقل تعالى فمن لم يجد رقبة ، ولكنه تعالى أطلق الوجود ، فكل وجود يتوصل به إلى عتق الرقبة ، فإنه مانع من الصيام ، فالواجب اتباعه ، لأنه موافق لظاهر الآية الذي لا يجوز خلافه ، وهكذا القول في كفارة الواطئ في نهار رمضان ، وأما التيمم لمن لم يكن له ماء وعنده ثمن يبتاع به الماء ، فإن أصحابنا قالوا ما ذكر هؤلاء ، ورأوا واجبا على من وجد ماء للشراء أن يبتاعه بقيمته في الوقت لا بأكثر . وقال غيرهم : بأكثر من قيمته ما لم يجحف به .