الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٣١
قال أبو محمد : فهذه أقسام القياس عند المتحذلقين القائلين به .
وذهب أصحاب الظاهر إلى إبطال القول بالقياس في الدين جملة ، وقالوا : لا يجوز الحكم البتة في شئ من الأشياء كلها ، إلا بنص كلام الله تعالى ، أو نص كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، أو بما صح عنه صلى الله عليه وسلم من فعل أو إقرار ، أو إجماع من جميع علماء الأمة كلها ، متيقن أنه قاله كل واحد منهم ، دون مخالف من أحد منهم ، أو بدليل من النص أو من الاجماع المذكور الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا ، والاجماع عند هؤلاء راجع إلى توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولابد ، من لا يجوز غير ذلك أصلا ، وهذا هو قولنا الذي ندين الله به ، ونسأله عز وجل أن يثبتنا فيه ، ويميتنا عليه بمنه ورحمته . آمين .
وشغب أصحاب القول بالقياس بأشياء موهوا بها ، ونحن إن شاء الله تعالى ننقض كل ما احتجوا به ، ونحتج لهم بكل ما يمكن أن يعترضوا به ، ونبين بحول الله تعالى وقوته بطلان تعلقهم بكل ما تعلقوا به في ذلك ، ثم نبتدئ بعون الله عز وجل بإيراد البراهين الواضحة الضرورية على إبطال القياس ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
فما شغبوا به أن قالوا : قال الله عز وجل : * ( ولا تقل لهما أف ) * فوجب إذ منع من قول : * ( لهما ) * للوالدين أن يكون ضربهما أو قتلهما ممنوع ، لأنهما أولى من قول : * ( أف ) * وقال تعالى : * ( وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ) * قالوا : فوجب أن ما فوق القنطار وما دونه داخل كل ذلك في حكم القنطار في المنع من أخذه .
وقال تعالى : * ( وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ) * قالوا : فعلمنا أن ما دون مثقال حبة وما فوقها داخلان في حكم مثقال حبة الخردل ، أنه تعالى يأتي بها ، وقال تعالى : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ير ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) * قالوا : فعلمنا أن ما فوق مثقال الذرة وما دونها يرى أيضا .
وقال تعالى : * ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ) * قالوا : فعلمنا أن ما فوق القنطار والدينار وما دونهما في حكم القنطار والدينار ، وقال تعالى : * ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) * قالوا :