الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٢١
وطعامه متاعا لكم ) * أتراه مانعا من أكل الثمار والحبوب وما ليس من صيد البحر ولا طعامه كما قال المالكيون إن قوله تعالى : * ( لتركبوها وزينة ) * مانع من أكل الخيل إذ لم يذكر الاكل ، وإذا عارضوا بهذه الآية الحديث الذي فيه إباحة للخيل فهلا عارضوا بالآية التي ذكرنا إباحة كل ما اختلف فيه فحرموه بها .
ويقال لهم أترون قوله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها مسقطا لقتلهم إن جحدوا نبوة موسى وعيسى عليهما السلام ؟ .
ويقال لهم : لو كان قولكم حقا إن الشئ إذا علق بصفة ما ، دل على أن ما عداه بخلافه ، لكان قول القائل : مات زيد كذبا ، لأنه كان يوجب على حكمهم أن غير زيد لم يمت ، وكذلك زيد كاتب ، وكذلك محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان ذلك يوجب ألا يكون غيره رسول الله ، ويلزمهم أيضا ، إذ قالوا بما ذكرنا ، أن يبيحوا قتل الأولاد لغير الاملاق ، لان الله تعالى إنما قال :
* ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ) * ويلزمهم في قوله تعالى : * ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) * إن ذلك مبيح لان يشترى بها ثمن كثير . فلما تركوا مذهبهم في كل ما ذكرنا ، وكان قول القائل : مات زيد وزيد كاتب ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسيلمة كذاب ، حقا ولم يكن في ذلك منع من أن غير زيد قد مات ، وأن غير زيد كتاب كثير ، وأن موسى وعيسى وإبراهيم رسل الله ، وأن الأسود العنسي والمغيرة الجلاح وبناتا كذابون ، بطل قول هؤلاء القوم إن الخطاب إذا ورد بصفة ما وفي اسم ما أو في زمان ما أن ما عداه بخلاف .
ولا يغلط علينا من سمع كلامنا هذا ، فيظن أننا إذ أنكرنا قولهم : إن غير المذكور بخلاف المذكور ، إننا نقول : إن غير المذكور موافق للمذكور ، بل كلا الامرين عندنا خطأ فاحش ، وبدعة عظيمة ، وافتراء بغير هدى .
ولكنا نقول : إن الخطاب لا يفهم منه إلا ما قضي لفظه فقط ، وأن لكل قضية حكم اسمها فقط ، وما عداه فغير محكوم له ، لا بوفاقها ولا بخلافها لكنا نطلب دليل ما عداها من نص وارد اسمه ، وحكم مسموع فيه ، أو من إجماع ، ولا بد من أحدهما ، وبالله تعالى التوفيق .