الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩١٠
قال أبو محمد : فكلا الفريقين تناقض كما ترى ، وحرم بعضهم نكاح الأمة المؤمنة على واجد الطول بحرة كتابية وليس هذا في نص الآية أصلا ، وإنما منع من منع من ذلك قياسا للكتابية على المسلمة ، وقد أكذب الله تعالى هذا القياس الفاسد بقوله : * ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ئ ما لكم كيف تحكمون ) * فلو كان القياس حقا لكان ههنا باطلا ، وإذا قاسوا واجد الطول للحرة الكتابية على واجد الطول للحرة المسلمة ، ولم ينص تعالى إلا على واجد الطول للحرة المسلمة فقط ، فهلا فعلوا مثل ذلك ، فقاسوا إباحة الأمة الكتابية بالنكاح لعادم الطول لحرة وخائف العنت على إباحة الأمة المؤمنة لخائف العنت وعادم الطول كما فعلوا في التي ذكرنا قبل ؟ . قال أبو محمد : وهذا مما تركوا فيه القول بدليل الخطاب ، لأنه كان يلزمهم على أصلهم أن يقولوا : إن ذكره تعالى : المحصنات المؤمنات دليل على أن الكافرات بخلافهن ، ولكن أكثرهم لم يفعلوا ذلك فنقضوا أصلهم في دليل الخطاب .
ونحن وإن وافقنا أبا حنيفة في بعض قوله ههنا ، فلسنا ننكر اتفاقنا مع خصومنا في هذه المسائل ، وقد يجتمع المصيب والمخطئ في طريقهما الذي يطلبانه ، أحدهما بالجد والبحث والعلم بيقين ما يطلب ، والثاني بالجد والبحث والاتفاق ، وغير منكر أن يخرجهم الرؤوف الرحيم تعالى إلى الغرض المطلوب وإن تعسفوا الطريق نحوه ، ولكنهم مع ذلك تحكموا بلا دليل أصلا فقالوا : من كانت عنده حرة فحرام عليه نكاح الأمة ، وهذا قول ليس في النص ما يوجبه أصلا ، وقولنا في هذا هو قول عثمان البتي وغيره .
وقد روي عن مالك إجازة نكاح الأمة على الحرة إذا رضيت بذلك الحرة ، وأجاز أبو حنيفة وأصحابه نكاح المسلمة والكتابية لواجد طول لحرة مسلمة ، وإن لم يخش العنت إذا لم تكن عنده حرة ، فيؤخذ من قول كل واجد ما أصاب فيه ، فبان بما ذكرنا تحليل الله تعالى حرائر أهل الكتاب وإماءهم في الزواج ، وبقي ما ملكت منهن على التحريم لبراهين ذكرناها في باب الاخبار من كتابنا هذا .
ويقال لهم : إنكم منعتم من نكاح الأمة الكتابية ، وقلتم : ليست كالأمة المسلمة فنقيسها عليها ، وقد تناقضتم فأبحتم نكاح الحرة الكتابية لواجد طول لحرة مسلمة وإن لم يخف عنتا ، وحرمتم عليه نكاح الأمة المسلمة حتى أن بعضهم قال : إن