الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٠٦
الذي قدمنا آنفا ، قيل له : وقد ذكر العشر ونصف العشر في الحديث الذي ذكر آنفا . فإن قال قائل : ما تقولون فخطاب ورد من الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم معلقا بشرط ؟ قيل له : ينظر ، أتقدمت ذلك الخطاب جملة حاظرة لما أباح ذلك الخطاب ، أو مبيحة لما حظر ، أم لم يتقدمه جملة بشئ من ذلك ، لكن تقدمت جملة تعمه وتعم معه غيره موافقة لما في ذلك النص . ولا بد من أحد هذه الوجوه ، لان الجملة التي نص عليها بقوله تعالى : * ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ) * مبيحة عامة لا يشذ عنها إلا ما نص عليه ، وفصل بالتحريم ، فلا سبيل إلى خروج شئ من النصوص عن هذه الجملة . ولا بد لكل نص ورد من أن يكون مذكورا فيه بعض ما فيها بموافقة أو يكون مستثنى منها بتحريم ، فإن وجدنا النص الوارد ، وقد تقدمته جملة مخالفة له ، استثنيناه منها ، وتركنا سائر تلك الجملة على حالها ، ولم نحظر إلا ما حظر ذلك النص فقط . ولم نبح إلا ما أباح فقط ، ولم نتعده ، وإن وجدناه موافقا لجملة تقدمته ، أبحنا ما أباح ذلك الخطاب ، وأبحنا أيضا ما أباحته الجملة الشاملة له ولغيره معه ، أو حظرنا ما حظره لك الخطاب ، وحظرنا أيضا ما حظرته الجملة الشاملة له ولغيره معه ، ولم نسقط من أجل ذلك الشرط شيئا مما هو مذكور في الجملة الشاملة له ولغيره ، وهذا هو مفهوم الكلام في الطبائع في كل لغة من لغات بني آدم - عربهم وعجمهم - ولا يجوز غير ذلك .
وقد ذكرنا في باب الاخبار من كتابنا هذا بيان هذا العمل ، ونظرناه بمسائل جمة ، ولكن لا بد لنا أيضا ههنا من تشخيص شئ من ذلك ليتم البيان بحول الله وقوته ، فليس كل أحد يسهل عليه تمثيل مسائل تقضيها الجملة التي ذكرنا ، وبالله تعالى التوفيق .
وليس قولنا آنفا : تقدمته جملة بمعنى تقدم وقت النزول ، فليس لذلك عندنا معنى إلا في النسخ وحده ، وإلا فالقرآن والحديث كله عندنا ككلمة واحدة ، وكأن نزل معا ، لوجوب طاعة جميع ذلك علينا ، وإنما نعني بقولنا : تقدمته أي عمت ذلك الخطاب وغيره معه ، ولكن لما كنا نجعل تلك الجملة مقدمة يستثنى منها ذلك النص أو نضيفه إليها على معنى البيان لها : سمينا ورودها من أجل ما ذكرنا تقدما .