الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٠٣
فلا بد له من : نعم ، فنقول له : وهكذا حكمك لما عدا الماء أنه بخلاف الماء ، حكم بغير نص ولا فرق ، ومنها أننا نقول به : أرأيت قوله صلى الله عليه وسلم : الطعام بالطعام مثلا بمثل ، أفيه منع من بيع ما عدا الطعام مثل بمثل ؟ أرأيت قوله عليه السلام : نعم الادام الخل أفيه حكم على أن ما عداه بئس الادام ؟ أرأيت قوله عليه السلام : إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث أو لم ينجس على أنه أصح من حديث بئر بضاعة - أيصح منه أن ما دون القلتين ينجس ؟ ومثل هذا كثير لو تتبع ، فلو قال : قد جاء فيما عدا ما ذكر في هذه الأحاديث نصوص صح بها عندنا حكمها ، قلنا له : وقد جاء فيما عدا الماء نص على إباحته بقوله تعالى : * ( فكلوا مما في الأرض حلالا طيبا ) * فلا سبيل إلى تحريم شئ من ذلك إلا بنص وارد فيه ، ولا إلى تنجيس شئ منه من أجل نجاسة حلته إلا بنص وارد فيه ، ولا فرق ، وبالله تعالى التوفيق .
قال أبو محمد : واحتجوا بأن الناس مجمعون على أن من قال لآخر : لا تعط غلامي درهما حتى يعمل شغلا كذا ، قالوا : فهذا يقتضي أنه إذا عمله وجب أن يعطي الدرهم . قال أبو محمد : وهذا خطأ ، وإن أعطاه المقول له هذا القول الدرهم بعد انقضاء ذلك الشغل ، وكان ذلك الدرهم من مال السيد : ، فعليه ضمانه إن تلف الدرهم ولم يوجد المدفوع إليه ، ودليل ذلك إجماع الناس على أن المقول له ذلك يسأل الآمر فيقول له : إذا عمل ذلك الشغل أعطيه الدرهم أم لا ؟ فلو اقتضى هذا الكلام إعطاءه الدرهم بعمل الشغل المذكور ما كان للاستفهام المأمور به معنى ، وأيضا فإن الأمة مجمعة على أن الآمر لو قال للمأمور عند استفهامه إياه : لا تعطه إياه حتى أجد لك ما تعمل فيه ، أن ذلك حسن في الخطاب ولازم للمأمور ، وإنما في الكلام المذكور المنع من إعطاء الدرهم قبل عمل الشغل ، وليس فيه بعد عمل الشغل لا إعطاؤه ولا منعه ، وذلك موقوف على أمر له حادث إما بمنع وإما بإعطاء .
فإن قالوا : فقول الله تعالى : * ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) * أليس إعطاؤهم الجزية مانعا من قتلهم ؟ .