الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٠١
الحمام بلا نية يجزي من غسل الجنابة . فأبطلوا احتجاجهم بالحديث المذكور ، وأكذبوا قولهم في دليل الخطاب ، وأوجبوا جواز أعمال بلا نية حيث أبطلها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وأبطلوا صيام الولي عن الولي والحج عن الميت وأداء ديون الله تعالى عنه وقد أوجبها الله تعالى .
واحتجوا أن لا عمل إلا بنية العامل ، ولا نية للمعمول عنه في ذلك فاستدركوا على ربهم ما لم يستدركوه على أنفسهم ، وهذا غاية الخذلان .
واحتجوا بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعن يعلى بن منبه رحمة الله عليه إذ سأل عن قصر الصلاة وقد ارتفع الخوف ، قالوا : فلما جاء القصر في القرآن في حال الخوف دل ذلك على أن الامر بخلاف الخوف .
قال أبو محمد : وقد غلط في ذلك من أكابر أصحابنا أبو الحسن ، عن عبد الله بن أحمد ابن المغلس : فظن مثل ما ذكرنا ، وهذا لا حجة لهم فيه ، لان الأصل في الصلوات كلها على ظاهر الامر الاتمام ، وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدد ركعات كل صلاة ، ثم جاء النص بعد ذلك في القصر في حال السفر مع الخوف ، فكان ذلك مستثنى من سائر الأحوال ، فلما رأى عمر القصر متماديا مع ارتفاع الخوف ، أنكر خروج الحال التي لم تستثن في علمه عن حكم النص الوارد في إتمام الصلاة في سائر الأحوال غير الخوف ، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن حال السفر فقط مستثناة أيضا من إيجاب الاتمام ، وإن لم يكن هنالك خوف ، فكان هذا نصا زائدا في استثناء حال السفر مع الامن ، فإنما أنكر ذلك من جهل أن هذه الصدقة الواجب قبولها قد نزل بها الشرع ، وهو عمر رضي الله عنه ، ولسنا ننكر مغيب الواحد من الصحابة أو الأكثر منهم عن نزول حكم قد علمه غيره منهم .
وأما الحديث المروي عن عائشة رضي الله عنها فرضت الصلاة فلا حجة فيه علينا ، بل هو حجة لنا ، وقد يظن عمر إذا نقلت صلاة الحضر إلى أربع ركعات أن صلاة السفر أيضا منقولة ، والغلط غير مرفوع عن أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال أبو محمد : وتعلل بعض من غلط في هذا الباب من أصحابنا بأن قالوا : قوله عليه السلام : استنشق اثنتين بالغتين إلا أن تكون صائما في حديث لقيط بن صبرة الأيادي ، في ذلك مانع من مبالغة الصائم في الاستنشاق .