الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٤٦
التحريم وصفات التحليل ؟ فإن قالوا : نغلب التحريم احتياطا . قلنا لهم : ولم لا تغلبوا التحليل تيسيرا ؟ لقول الله تعالى : * ( يريد الله بكم اليسر ) * وإن قالوا : نغلب التحليل ، قيل لهم : وهلا غلبتم التحريم ؟ . ولقول الله تعالى : * ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) * فظهر بطلان قولهم وفساده ، وبالجملة فليس تغليب أحد الوجهين أولى من الآخر ، وقد قال تعالى : * ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ) * فنص تعالى على أن كل محرم ومحلل بغير نص من الله تعالى فهو كاذب ومفتر ، وبالله تعالى التوفيق .
وأيضا : فلو كانت صفة شبه التحريم توجب التحريم ، وصفة شبه التحليل توجب التحليل ، لما وجد كلا الامرين في شئ واحد البتة ، لأنه كان يجب من ذلك أن يكون الشئ حراما حلالا معا ، وهذا حمق محال . فصح أن الشبه لا يوجب تحريما ولا تحليلا ، كثرت الأوصاف بذلك أو قلت .
وقد أقدم بعضهم فقال : إن الله تعالى قال : * ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) * قالوا : غلب تعالى الاثم فحرمها .
قال أبو محمد : هذا من الجرأة على القول على الله تعالى بغير علم ، وهذا يوجب إن الله تعالى اعترضه في الخمر والميسر أصلان : أحدهما المنافع ، والثاني الاثم ، فغلب الاثم ، هذا هو نص كلامهم وظاهره ومقتضاه ، وليت شعري ، من رتب هذا الاثم في الخمر والميسر ؟ وقد كانا برهة قبل التحريم حلالين لا إثم فيهما ، وقد شربها أفاضل الصحابة رضي الله عنهم ، وأهديت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتنادم الصالحون عليها أزيد من ستة عشر عاما ، في الأصل صح ذلك عن عبد الرحمن ابن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وحمزة ، وأبي عبيدة بن الجراح ، وسهيل بن بيضاء ، وأبي بن كعب ، وأبي دجانة ، وأبي طلحة ، وأبي أيوب ، ومعاذ بن جبل ، وعبد الله بن عمرو بن حرام ، وغيرهم كلهم شربوا الخمر بعد الهجرة ، واصطحبها جماعة يوم أحد ممن أكرمهم الله تعالى في ذلك اليوم بالشهادة ، فهل أحدث الاثم فيها بعد أن لم يكن إلا الله تعالى ؟ فأين قول هؤلاء النوكى : إن الله تعالى حرمها لأجل الاثم الذي فيها ، أو لأجل الشدة والاسكار ؟ وهل هذا إلا كذب بحت ؟ وهل حدث الاثم إلا بعد حدوث التحريم بلا فصل ؟ وهل خلط قط