الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٤١
تناقضتم أنتم في إبطالكم ما حققتموه من نتائج القياس ، فطريقكم هي طريقهم .
ونحن نقول : إن هذا الذي نعارضكم به من القياس أنتم التزمتم حكمه ، وهو عندنا باطل ، كقولكم سواء بسواء ، فإن التزمتموه أفسد قولكم ، وإن أبيتموه فكذلك لأنكم تقرون حينئذ بإبطال ما قد صوبتموه ، ولا فساد أشد من فساد قول أدى إلى التزام الباطل ، وليس من يبطل قضايا العقل كذلك ، لأنه لا يصح شئ أصلا إلا بالعقل أو بالحواس مع العقل ، أو ما أنتج من ذلك ، فمن أبطل حجة العقل ثم ناظر في ذلك بحجة العقل ، فإن صححها رجع إلى الحق ودخل معنا ، وإن أبطلها سقط القول معه ، لأنه يقر أنه يتكلم بلا عقل ، وليس القياس هكذا بإقراركم .
ويكفي من هذا : أن من رام إبطال حجة العقل بحجة فقد رام ما لا يجده أبدا ، وحجة العقل لا تبطل حجة العقل أصلا ، بل توجبها وتصححها ، وكذلك من رام إبطال خبر الواحد بخبر الواحد ، فإنه لا يجد أبدا خبرا صحيحا يبطل خبر الواحد . وهكذا كل شئ صحيح ، فإنه لا يوجد شئ صحيح يعارضه أبدا ، هذا يعلم ضرورة ، ولو كان ذلك لكان الحق يبطل الحق ، وهذا محال في البنية ، وليس كذلك القياس لأنه يبطل بالقياس جهارا وبأسهل عمل ، فصح أنه باطل ، وهكذا كل باطل في العالم فإنه يبطل بعضه بعضا بلا شك .
وقال بعضهم : من الدليل على أن حكم المماثلين حكم واحد أن الله عز وجل قد تحدى العرب بأن يأتوا بمثل هذا القرآن وأعلم أنهم لو أتوا بمثله لكان باطلا ، لان مثل الباطل لا يكون إلا باطلا ، ومثل الحق لا يكون إلا حقا .
قال أبو محمد : هذا قول صحيح ، وهو حجة عليهم ، لان المشبه للباطل في أنه باطل هو بلا شك باطل ، وبهذا أبطلنا القياس بالقياس ، ورأينا أنه كله باطل ، وليس ما أشبه الباطل في أنه مخلوق مثله ، وأنه كلام مثله ، يكون باطلا بل هذا حكم يؤدي إلى الكفر ، لان الكفر كلام ، والكذب كلام ، والقرآن كلام ، والحق كلام .
وليس ذلك بموجب اشتباه كل ذلك في غير ما اشتبه فيه يرومون .
وأيضا فهذا من ذلك التمويه الذي إذا كشف عاد مبطلا لقولهم بعون الله عز وجل ، وذلك أننا لم ننكر قط أن ما وقع عليه مع غيره اسم يجمع تلك الأشخاص ، فإنها كلها مستحقة لذلك الاسم ، بل نحن أهل هذا القول .