الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٢٨
تعالى لم يخلق في هذا العالم ، مما شاهدنا بالحواس أو بالعقل أو بالمقدمات الراجعة إلى الحواس والعقل ، غير ما شاهدنا بذلك ، ولعله تعالى قد خلق عوالم بخلاف صفة عالمنا هذا ، إلا أن هذا أمر لا نحققه ولا نبطله ، ولكنه ممكن والله أعلم ، ولا علم لنا إلا ما علمنا الله ، وبالله تعالى التوفيق .
واحتجوا أيضا فقالوا : إن في النصوص جليا وخفيا ، فلو كانت كلها جلية لاستوى العالم والجاهل في فهمها ، ولو كانت كلها خفية لم يكن لاحد سبيل إلى فهمها ، ولا إلى علم شئ منها ، قالوا : فوجب بذلك ضرورة أن نستعمل القياس من الجلي على معرفة الخفي .
قال أبو محمد : وهذه مقدمة فاسدة ، والاحكام كلها جلية في ذاتها ، لان الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * ولا يحل لمسلم أن يعتقد أن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالبيان في جميع الدين فلم يفعل ولا بين ، وهذا ما لا يجوز لمسلم أن يخطره بباله ، فإذ لا شك في هذا ، ونوقن أنه صلى الله عليه وسلم قد بين الدين كله . فالدين كله بين ، وجميع أحكام الشريعة الاسلامية كلها جلية ، واضحة ، وقد قال عمر رضي الله عنه : تركتم على الواضحة ، ليلها كنهارها ، أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا ، وقال أيضا رضي الله عنه : سننت لكم السنن ، وفرضت لكم الفرائض ، إلا أن يضل رجل عن عمد .
قال أبو محمد : إلا أن من الناس من لا يفهم بعض الألفاظ الواردة في القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم ، لشغل بال أو غفلة أو نحو ذلك ، وليس عدم هذا الانسان فهم ما خفي عليه بمانع أن يفهمه غيره من الناس ، وهذا أمر مشاهد يقينا ، وهكذا عرض لعمر رضي الله عنه إذا لم يفهم آية الكلالة وفهمها غيره ، وقال عمر رضي الله عنه : اللهم من فهمته إياها فلم يفهمها عمر . وقال : ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شئ ما راجعته في الكلالة ، وما أغلظ لي بشئ ما أغلظ لي فيها ، إلى أن طعن بأصبعه في صدري وقال لحفصة : ما أراه يفهمها أبدا أو كما قال صلى الله عليه وسلم ، فصح ما قلناه يقينا ، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن آية الصيف كافية الفهم وأن عمر لم يفهمها ، ليس لأنها غير كافية ، بل هي كافية بينة ، ولكن لم ييسر لفهمها .