الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠١٣
زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين ، فقد افتروا على الله الكذب ، وقد أخبر الله تعالى بحد ما يفتري به بعضنا على بعض .
حدثنا عبد الله بن ربيع ، نا محمد بن معاوية ، نا أحمد بن شعيب ، نا محمد بن عبد الله ابن عبد الرحيم البرقي ، ثنا سعيد بن عفير ، ثنا يحيى بن فليح بن سليمان المدني ، عن ثور ابن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن الشراب كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال والعصي ، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر : لو فرضنا لهم حدا ، فتوخى نحو ما كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي ، ثم كان عمر فجلدهم كذلك أربعين ، حتى أتي برجل من المهاجرين الأولين قد شرب ، فأمر به أن يجلد ، فقال : لم تجلدني ، بيني وبينك كتاب الله ؟ فقال عمر : وفي أي كتاب الله تجد ألا أجلدك ؟ قال له : إن الله تعالى يقول في كتابه : * ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) * ، فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ثم اتقوا وآمنوا ، ثم اتقوا وأحسنوا ، شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد . فقال عمر :
ألا تردون عليه ما يقول ؟ فقال ابن عباس : إن هؤلاء الآيات أنزلن عذرا للماضين ، وحجة على الباقين ، فعذر الماضين بأنهم لقوا الله قبل أن يحرم عليهم الخمر ، وحجة على الباقين ، لان الله تعالى يقول : * ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ) * ، ثم قرأ الأخرى ، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ) * فإن الله نهاه أن يشرب الخمر . فقال عمر : صدقت فما ترون ؟ فقال علي : إنه إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة ، فأمر به عمر فجلد ثمانين .