الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٠١
بدخول ذلك في النصف ، فإذا اقتصر أحدهما على بعض ماله أن يعاقد عليه مع سائره فذلك جائز له بالنص المجيز له أن يعاقد على ما دون النصف مع قوله تعالى :
* ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) * فتجافيه عن بعض ماله أن يشترطه فضل منه .
واحتجوا بقيم المتلفات ومهر المثل ، ومقدار المتعة والنفقات ، وإن كل ذلك لا نص فيه ، قالوا : فوجب الرجوع إلى القياس .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه البتة ، ولا للقياس هنا مدخل أصلا لأنه ليس ههنا شئ آخر منصوص عليه يقيسون عليه هذه الأشياء ، وهذا هو القياس عندهم ، فبطل تمويههم ، إن هذا القياس ، وما هو إلا نص جلي ، لا داخلة فيه ، وهو قول الله تعالى : * ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) * فهل في البيان أكثر من هذا ؟ وهل هذا إلا نص على كل قصة وجب فيها ضمان المثل ؟ . فأي معنى للقياس فيمن أتلف الآخر ثوبا قيمته دينار فقضى عليه بثوب مثله ، فإن لم يوجد فمثله من القيمة في سوق البلد الذي وقع فيه الغصب ، أو الذي وقع فيه الحكم ؟ .
وكذلك امرأة وجب لها مهر مثلها بالنص ، فعلم مقدار ما تطيب به نفس مثلها في المعهود الذي أحالنا الله تعالى عليه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم .
وكذلك نص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن للأزواج والأقارب والمماليك النفقة والكسوة بالمعروف ، وساوى في ذلك بين الأقارب وبين من ذكرنا وأحالنا على المعروف ، والمعروف هو غير المنكر ، فهو ما تعارفه الناس في نفقات من ذكرنا ، وما فيه مصالحهم من كسوة معروفة لأمثالهم ، وإسكان وغير ذلك ، مما لا قوام للمعاش إلا به ، مما لا جوع فيه ولا عري ولا عطش ولا برد ، ولا شهرة ولا اتضاع ، ولا إسراف ولا تبذير ، ولا تقصير ولا تقتير ، فهذا هو المنكر ، وضده هو المعروف ، فأين القياس ههنا ؟ وعلى أي شئ قاسوا ما ذكرنا فإذ ليس ههنا شئ يقاس عليه ما ذكرنا البتة فقد بطل أن يكون قياسا ، وبطل تمويههم في ذلك . واحتجوا أيضا بأروش الجراحات والجنايات والديات .
قال أبو محمد : وهذا في التمويه كالذي قبله ، وقولنا في ذلك : إن كل ما أوجبه من ذلك نص وقف عنده ، وما لم يوجبه نص فهو ساقط لا يقضى به للنص الوارد :