الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٣ - النسبية التطورية
أحس بالنور يبقى النور في مكانه، ولا يتحول كله إلى الأعصاب. والأعصاب هي بذاتها حية فيها الحركة والطاقة تمامًا كما هو موجود في أسلاك الكهرباء، والإثارة الخارجية لا تعدو أن تكون محركة لتلك الطاقة الموجودة.
ولمزيد من التوضيح نقارن المنبهات بالإرادة. فنحن جميعًا نعلم بوجود خطين في الأعصاب؛ خط الاستقبال، وخط التوجيه. فالمنبهات بالنسبة إلى خط الاستقبال تؤثر في الأعصاب حتى تحمل الإحساس إلى الدماغ. أما خط التوجيه فإنه يرسل بسببه الأوامر من الدماغ إلى الأعضاء. فالإرادة تبعث في الأعصاب ما تبعثه المؤثرات الخارجية فيها لكن باتجاه معاكس. وبما أن عملية التوجيه ليست بتحويل الطاقة إلى الأعصاب إذ إن الإرادة باقية محلها، فإن عكسه- وهو خط الاستقبال- لا يحول الطاقة من الخارج إلى الأعصاب. وهي بالتالي تشبه المنبهات الآلية الموجودة في الطائرات المزودة بالرادار، حيث إنها هي التي تنبه بالمؤثرات وليست عملية تحويل الطاقة تجري فيه كما تجري في محركاتها ونفاثاتها.
وهذا لا يجعلنا ننكر أي تحويل. فبالدقة: إن هناك جزءًا قليلًا من الطاقة يتحول من المنبهات إلى الأعصاب (كالجزء القليل من الأشعة التي تنعكس على شبكة العين)، ولكن لا يعني هذا (التحويل المطلق) كما لا يعني تفسير الإحساس بعملية التحويل.
وقد خلطت المادية الديالكتيكية بين التحويل والتنبيه. هذه مفارقة.
ومفارقة أخرى: لم تفسر لنا المادية هنا كيف تتم عملية تحول الطاقة من فيزيولوجيا إلى سيكلوجيا؛ أي كيف يعرف الإنسان؟ وهذا هو السؤال الأهم في مشكلة المعرفة، وإلا فتحويل الطاقة من الخارج إلى الأعصاب أمر يفهمه الأطفال إذا حدد بالإثارة والتنبيه فقط كما فعلنا آنفًا.
وهكذا سقطت الحجة عن قيمتها في مشكلة المعرفة وكانت أشبه بالفرار من الإجابة عن شيء إلى الإجابة عن شيء آخر.
وبعد هاتين المفارقتين نقول: المشكلة في تقييم المعرفة ومطابقتها للواقع الخارجي تبدأ أولًا- وعند المثالييّن- بالسؤال عن هذه المعلومات (تحويل الطاقة و .. و .. و ..) ذاتها، فالمثاليون ينكرونها رأسًا، فما هو الدليل على صحتها؟
ولو افترضنا- جدلًا- صحة عملية التحويل هذه، فهل في هذا أي دليل على المطابقة