الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٢ - ٣ - القضاء والقدر
يجري في المستقبل. ولكن ما كتب في هذا اللوح يتبدل بإرادة الله حيث قال: يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [١].
٣- إن كل عمل يجري من العبد، فهو إنما يُقَدَّر من قبل الله، أي بما أعطاه الله من قوة وبما وفَّر له من ظروف مواتية. وجاء في الحديث عَنِ الْبَزَنْطِيِّ قَالَ: «قُلْتُ لِلرِّضَا (ع): إِنَّ أَصْحَابَنَا بَعْضُهُمْ يَقُولُ بِالْجَبْرِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ بِالِاسْتِطَاعَةِ؟!.
فَقَالَ (ع) لِيَ:
اكْتُبْ: قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ! بِمَشِيَّتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ، وَبِقُوَّتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي، وَبِنِعْمَتِي قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي، جَعَلْتُكَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَوِيّا، مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، وَذَلِكَ أَنِّي أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَأَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي. وَذَلِكَ أَنِّي لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ..»[١].
وفي حديث آخر عَنِ الإمامِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلامهما) قَالَ:
«سَمِعْتُ أَبِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلامهما) يَقُولُ: الْأَعْمَالُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: فَرَائِضَ، وَفَضَائِلَ، وَمَعَاصٍ.
فَأَمَّا الْفَرَائِضُ: فَبِأَمْرِ الله تَعَالَى وَبِرِضَا الله وَبِقَضَائِهِ، وَتَقْدِيرِهِ، وَمَشِيَّتِهِ، وَعِلْمِهِ.
وَأَمَّا الْفَضَائِلُ: فَلَيْسَتْ بِأَمْرِ الله، وَلَكِنْ بِرِضَا الله، وَبِقَضَاءِ الله، وَبِقَدَرِ الله، وَبِمَشِيَّةِ الله، وَبِعِلْمِ الله.
وَأَمَّا المَعَاصِي: فَلَيْسَتْ بِأَمْرِ الله، وَلَكِنْ بِقَضَاءِ الله، وَبِقَدَرِ الله، وَبِمَشِيَّةِ الله، وَبِعِلْمِهِ ثُمَّ يُعَاقِبُ عَلَيْهَا»[١].
(تقدير الله يعني: تحديده للأشياء. وقضاؤه: تهيئة الوجود للأشياء. ومشيئة الله: نعمته بهذا الإعطاء أولًا. وعلم الله: أنه كان يعلم منذ الأزل). هذا، وإن واحدًا من هذه لا يُخالف الاختيار؛ إذ إن الله شاء أن يكون العبد مختارًا ثم قَدَّر، وقضى ذلك بإعطائه الاستطاعة، فكان صدور الفعل منه بالاختيار وبقضاء من الله يعني: أن الله لم يمنعه بل أذن له في ذلك. فلو أنه كان يسلب القدرة في اللحظة الأخيرة لم يتمكن من الفعل أبدًا ولكنه لم يفعل.
[١] سورة الرعد، آية: ٣٩.
[٢] بحار الأنوار: ج ٥، ص ٥٧.
[٣] بحار الأنوار: ج ٥، ص ٢٩.