الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٧ - ١ - الحاجة إلى الإمام
رسالاته. وبما أنه من الواضح أن المسلمين لم يبلغوا بعد عهد الرسول (ص) درجة من النضج الفكري والرشد الاجتماعي، وأخيرًا لم يتقمَّصوا الشريعة الإسلامية بصورة كاملة لا علمًا ولا عملًا، لما دل على ذلك من اختلافهم الواسع في الأحكام والمعارف الإسلامية، لزم أن يكون لهم إمام معصوم من بعد الرسول يقوم ببيان الأحكام وشرح المعارف حتى يكتمل نضج طائفة طليعية في الأمة تستمر بها الأمة مدى الدهر محتفظة بالروح الإسلامية الكاملة. هذا من جانب، ومن جانب آخر لزم أن يكون لهم من يُجري عليهم الأحكام حتى لا تضيع الرسالة في زحمة الأهواء المادية.
والحديث التالي يشير إلى هذه الحقيقة، إذ يقول الإمام الرضا (ع):
«فَإِنْ قَالَ: فَلِمَ جَعَلَ أُولِي الْأَمْرِ وَأَمَرَ بِطَاعَتِهِمْ؟
قِيلَ لِعِلَلٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: أَنَّ الخَلْقَ لَمَّا وَقَفُوا عَلَى حَدٍّ مَحْدُودٍ وَأُمِرُوا أَلَّا يَتَعَدَّوْا ذَلِكَ الحَدَّ لِمَا فِيهِ مِنْ فَسَادِهِمْ، لَمْ يَكُنْ يَثْبُتُ ذَلِكَ وَلَا يَقُومُ إِلَّا بِأَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِمْ فِيهِ أَمِينًا يَأْخُذُهُمْ بِالْوَقْفِ عِنْدَمَا أُبِيحَ لَهُمْ، وَيَمْنَعُهُمْ مِنَ التَّعَدِّي، وَالدُّخُولِ فِيمَا خَطَرَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لَكَانَ أَحَدٌ لَا يَتْرُكُ لَذَّتَهُ وَمَنْفَعَةً [مَنْفَعَتَهُ] لِفَسَادِ غَيْرِهِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ قَيِّمًا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْفَسَادِ وَيُقِيمُ فِيهِمُ الحُدُودَ وَالْأَحْكَامَ ..»[١].
القيادة ضرورة أبدًا:
هل الأمة بحاجة إلى قيادة؟.
لقد كانت هذه الحقيقة موضوع نقاش حينما قالت طائفة الخوارج بعدم حاجة المجتمع إلى قيادة، أو عندما قالت الفوضوية بذلك، فإنها غير واردة أبدًا اليوم، إذ لم يعد هناك أي إنسان يشك في ضرورة القيادة للإنسان، والتاريخ لم يهدنا إلى مثال واحد استغنى فيه المجتمع عن القيادة. ومن هنا وجب على الإسلام أيضًا أن يُعيِّن القيادة الصالحة.
وبما أن الدين الإسلامي أتم الشرائع، كان لا بد أن تكون قيادته بمستواه، وهل يتحقق ذلك في غير الإمام المعصوم وهو أعلم أهل عصره وأتقاهم؟.
والخلاصة: إن المجتمع بحاجة إلى القيادة، وخير القادة المعصوم العالم المُؤيَّد من قبل الله
[١] بحار الأنوار: ج ٢٣، ص ٣٢.