الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٩ - شبهة المنكرين
عنها جوابًا متينًا فيقول: مِثْلُنا تُريدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبينٍ (١٠) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ ما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلّا بِإِذْنِ اللّهِ وَ عَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [١].
في هاتين الآيتين معالجة شاملة لكافة القضايا الرسالية لابد أن نشير إليها إشارة خاطفة:
ألف: إن الناس كانوا يشكُّون في الأنبياء، وكان مبعث شكهم هو أن الأنبياء (عليهم السلام) إنما هم بشر مثلهم وكيف يمكن أن يبعث الله بشرًا رسولًا؟.
باء: لم ينكر الأنبياء أنهم بشر، كما أنكر اليهود ذلك في عزير (ع) والنصارى في المسيح (ع)، بل قالوا: إنْ نحن إلَّا بشر مثلكم. فلسنا نوابغ أفذاذ، نملك مواهب جمة بها نسألكم الطاعة. ولكننا أناس لا نستحق طاعة ولا ولاء لو تجردنا عن الرسالة الموحاة إلينا من الغيب.
جيم: بيد أنه ليس من العجيب أن يمنَّ الله على من يشاء من عباده بشيء يُميِّزه عن الآخرين؛ إذ ما دمنا عباده فهو الذي يدبر أمورنا كيف يشاء ويختار للرسالة من يشاء. نحن عباده، والعبد لابد أن يكون خاضعًا لتدبير مولاه خضوعًا تكوينيًّا شاملًا، فإذا كان خاضعًا هذا الخضوع فليس من المستحيل أن يهب له علمًا وحكمًا ويبعثه إلى الناس رسولًا مطاعًا بإذنه.
دال: بيد أن رسالتنا- كما يقول الرسول- لا تجعلنا فوق مستوى الناس من حيث الذات، بل إننا لا نزال خاضعين لله؛ ولذلك ما كان لنا أن نأتيكم بسلطان فيه نوع من السلطة عليكم إلَّا بإذن الله، ذلك لأننا وإن كنا أنبياء إلَّا أننا لا نملك شيئًا من دون الله.
واو: وليست لدينا أية قوة ظاهرية نعتمد عليها، بل كل ما في الأمر أننا نتوكل على الله، وكذلك نقول للناس: وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. فالمؤمنون إنما يتقون بالله- سبحانه- لا بما لنا من قوة ذاتية.
هذه هي الرسالة في منطق القرآن، وهذه هي الشبهة الوحيدة عليها، وهذا هو الرد الحاسم. وسنذكر- إن شاء الله- أن هذه الرسالة تنسجم مع العقل وفيها حجة على ذاتها.
[١] سورة إبراهيم، آية: ١٠- ١١.