الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٠ - النسبية الفردية
والمكان، ولا يملك الإنسان نورًا يكشف به زيف هذه الزيادة وبُعدها عن الحقيقة، مادام الأمر كذلك فإن القول بأن الناس سواسية في الإضافات قول باطل، لأن لكل إنسان شروطًا خاصةً بالإدراك ليست للفرد الآخر. ومن هنا فله إضافات ذاتية مخصوصة به، فكل بشر يُدرك على شاكلته. ولهذا قالت هذه النسبية: لكل شخص حقيقة تخصه.
٢- وعلى هذا فليس من الصحيح الإيمان بصحة الرياضيات إذ إنها غير ثابتة هي الأخرى. بل قد يكون: ٢* ٤/ ٢ عندي، ولكن عند غيري يساوي خمسة، لماذا؟.
لأنه لا يملك أحد مقياسًا ثابتًا للمعرفة؛ إذ يحتمل فساد معلوماته بإقحام التصورات النابعة عن شروطه الخاصة للإدراك.
هذه هي النسبية الفردية، وقد فضَّلنا أن نسميها بالفردية مع أن المشهور تسميتها بالذاتية؛ انطلاقًا من قاعدتها: إن لكل فرد نوعًا خاصًّا من الإدراك.
وهذه النسبية ليست إلَّا البنت الشرعية لنسبية (كانت)، بل هي وليدة الكفر بنور العقل الكاشف لغياهب الذات، والناقد للحس بطرقه الخاصة.
وقد سبق القول منا في الفصل الأول، كيف أن العقل يحكم أحكامًا ثابتةً لا ريب فيها ولا تتفاوت بين شخص وآخر، وقلنا كيف أن الذات منكشفة هي الأخرى وما تحس به لهذا النور المبين.
وبناء على تلك الحقائق- التي ذكَّرنا بها في ذلك الفصل- يبدو التشكيك في المعرفة البشرية غير المتأثرة بالهوى والغضب والتسرع تافهًا. إذ إن الإدراك العلمي لا يخضع لشروط شخصية، وبالتالي فهو يثبت صامدًا أمام مؤثرات المادة.
والواقع أن جذر الخطأ في جميع مذاهب الشك والنسبية كامن في أمر واحد هو الخلط بين دور العقل ودور الجهل اللذين يتنازعان النفس البشرية. الجهل (أي الذاتية والمصلحية والغفلة وما إلى ذلك) يضغط على الإنسان لكي يعتقد بفكرة ولكن العقل يحكم على زيفها أو صحتها ثم يكون للإنسان كامل الحرية في اختيار أي الطرفين. وحين يصفو العقل (باختيار الإنسان له) فإنه يكشف عن الواقع. وإذا كشف فإن أي شيء لا يتمكن من تشكيك صاحبه في حكمه الذي يعتبره هو الحق.