الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٧ - كانت والنسبية الذاتية
تقارن إحساسي مع دورة الشمس، والمكان القريب يعني: قربي إليه. ونستطيع تشبيه الزمان والمكان بظرف بلور نضع فيه الماء فيصطبغ الماء بلون الظرف فنعتقد نحن أن اللون من الماء، ولكن الظرف فقط واهب اللون. وكذلك نحن نزعم الحقيقة في الزمان والمكان، والواقع هو أننا نحن نعيش عبر المحدودية الزمانية والمكانية، لا أن الحقائق هي التي تعيش.
من هنا كان منطق (كانت) مزج الحقيقة البسيطة وهي الإحساس (بصبغة ذاتية) هي صبغة الزمان والمكان. فقال: نستنتج من هذا أن الحقيقة كما هي في واقعها- أو بتعبير آخر كما هي في ذاتها- لا يمكن أن تعرف لأننا لا نملك إلَّا أداة محدودة للمعرفة وهي أداة الذهن التي تعيش ضمن وقت ومحل محدودين.
فالحقيقة إنما تعرف بنسبة معينة، وهكذا كانت النظرية نسبية وتُفرِّق بين (الشيء لذاته) و (الشيء لذاتنا). فالشيء لذاته- أو كما هو في ذاته- يختلف عن (الشيء لذاتنا) أو الشيء كما نتصوره. ثم استرسل قائلًا: ولذلك فإن بحوث الميتافيزيقيا (الغيب) بعيدة عن إحاطة الإنسان لأنها مجردة عن الزمان والمكان.
أما بحوث الرياضيات فإنها أيضًا لا تعكس الحقائق ولكنها صحيحة حسب أفكارنا؛ إذ إنها تكرير لحقيقتي الزمان والمكان. فالحساب مجموعة أعداد، والعدد ليس إلَّا انعكاس الذهن على شاشة الأشياء. فأنا، يعني عندي واحد. وأتصور مثلين ل- (أنا) فأكوّن فكرة (٢) وهكذا.
وكذلك الهندسة تحديد للأماكن القريبة والبعيدة ونوع قربها وبعدها عني.
واستخلص (كانت) من منهجه أن العلوم على أقسام [١]:
١- الطبيعيات؛ وهي التي تحتوي على مادة هي الإحساسات وصورة هي الزمان والمكان.
٢- الرياضيات؛ وهي التي تحتوي على صورة وهي الزمان والمكان ولكن من دون مادة.
٣- الإلهيات (الميتافيزيقيا)؛ وهي التي لا تحتوي موضوعاتها على صورة ولا على مادة.
[١] لاحظ: بدوي، د. عبدالرحمن، موسوعة الفلسفة، ج، ص.