الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٤ - المثالية الحديثة
ولا يحتمل أنها قد تُخطئ في يوم ما إطلاقًا. مثلًا: الإيمان بوجود حقيقة الكون والسنن العامة فيه، والقوانين الرياضية التي تحكمه، لا يمكن ولا نحتمل أن تُخطئ في يوم من الأيام.
وباركلي لم يزد على الادِّعاء بوجود الأخطاء في الحس أو في المعلومات.
وهذا لا يكون دليلًا على عدم وجود واقع خارج الشعور، إنما هو دليل على مذهب الشك، الذي يقول: إنه لا يمكن أن نعترف بكل مفاهيمنا الواردة علينا من قبل الحس.
ونحن لا ننكر وجوب التشكيك في طائفة من الأفكار إلَّا أننا حتى في حالة التشكيك هذه نستعين بعقولنا، كما فعل باركلي نفسه. فكيف نشكك أنفسنا دون القول باستحالة التناقض التي جعلها باركلي نفسه دليلًا على بطلان الإحساس مع أنه لو لم نسلم سلفًا بهذا المبدأ لم يكن لنا أن نستدل بأي دليل أبدًا.
إذ يمكن لأي معترض أن يفحمنا بالقول: بأنه ما هو المانع من تناقض الإحساس وصحة هذا التناقض، وبالتالي صحة المعلومات المنبثقة عنها؟.
باء: المثالية الفيزيائية:
ما هي طبيعة المادة؟. قال علم الميكانيك التقليدي: إنها مجموعة جزئيات أصلية لا تتجزأ. وكان يبدو أن ذلك أمر لا مَرَدَّ له، وواقع لا ريب فيه. ولهذا قابل التلاميذ أستاذهم الفيزيائي في إحدى جامعات ألمانيا الذي نادى بإمكانية تفجير الذرة (أو الجزء الذي لا يتجزَّأ)، قابلوه بالإنكار الشديد حتى لم يعد يتابع كشوفاته الذرية، ولو فعل لكان زمن ظهورها العشرينات.
وحين تقدَّم العلم وفُجِّرت الذرة تفجيرًا، تفجرت في الوقت ذاته ثقة الإنسان بعلمه الميكانيكي وذهبت مسلماته هباء.
فأصابت الأزمة النفسية بعض العلماء، وقالوا: ما دامت المادة لم تكن حجرًا ثابتًا لبناء صرح العلم عليه في حين كنا نعتقد نحن أنها كذلك؛ فمن يضمن لنا أن تثبت الذرة مكانها. أليس من الممكن أن يأتي العلم ليقول لنا يومًا: إن الذرة أيضًا وَهْمٌ تقليدي؟. وهكذا اندفعوا إلى المثالية. فقال (أوزوالد): إن العصا التي تضرب (سكايان) لا تنهض على وجود العالم الخارجي. هذه العصا ليست موجودة، وليس موجودًا إلَّا طاقاتها الحركية.