الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٣ - المثالية الحديثة
هكذا استدل باركلي .. وتابعه الفريق الذي يُدعى بأنصار الشك الحديث الذي قاده (دافيد هيوم)، وكوَّنوا فلسفة لا أدرية. قالوا: ما بأيدينا من وسائل العلم لا تكفي للتثبت من الحقيقة، فالأَوْلى الشك فيها. ولكنه لم يزد على أدلة باركلي شيئًا. فجوهر أدلته التناقض البادي بين المعارف والأحاسيس على غرار ما استعرضناه من حجج باركلي.
نقد النظرية:
والنظرية تنطوي على التباسات عديدة:
أولًا: إن معرفة أخطاء الحس وتناقضاته بسيطة لمن أوتي نور العقل. وما دمنا آمنا بدور العقل الذي لا يخضع للحس وإنما بالعكس يخضع الحس له، فإن بمقدورنا كشف تناقضات الحس ببساطة متناهية. ولقد سبق أن بَيّنا كيف ينقد العقل مدركات الحس.
فالعقل- كما قلنا آنفًا- نور يكشف الواقع الخارجي ويجعل النفس تطل عليه وتشاهده مباشرة. وليس العلم تصورًا تنطوي عليه النفس- كما زعم أرسطو- حتى يزعم باركلي: أن ليس لدينا ضمان كافٍ لتطابق الصورة مع الواقع الخارجي.
ثانيًا: إذًا فانتقادات باركلي وتشكيكاته مُركَّزة ضد نظرية أرسطو التقليدية التي زعمت أن المعرفة ليست سوى صور في النفس منعكسة عن الأشياء فأنكرها، وقال: من يقول بوجود حقائق وراء الصور؟.
أما حسب تذكرة الإسلام لواقع المعرفة التي كشفت لنا سابقًا من أنها نور كاشف للواقع مباشرة، فإن انتقادات باركلي تذهب هباء. وقد نوَّه باركلي ذاته بهذا الأمر حيث يظهر من أقواله أنه لو كانت المعرفة شهودًا للواقع مباشرة كانت صحيحة ولكنها ليست كذلك.
ثالثًا: كذلك حجة باركلي الثالثة المرتكزة على أن المعارف البشرية قد تخطئ، فإنها نوع من الخلط بين المعرفة والجهل، لأن المعارف لن تخطئ لأنها مشاهدات مباشرة للواقع. وهناك فرق كبير بين تبيُّن خطأ عقيدة، وبين تبيُّن خطأ علم. العلم لا يُخطئ، في حين تُخطئ العقيدة؛ إذ إن الثانية تخضع للشهوات والتطورات المادية، بيد أن العلم النابع من العقل ليس كذلك.
رابعًا: ويكفينا حجة: تلك المجموعة الضخمة من المعلومات التي لا يتردد أحد فيها