الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥ - منهج البحث
خِصَالٍ يُعْرَفُ بِهَا الْعَاقِل»[١].
هكذا تتضافر النصوص الإسلامية على بيان آيات العقل وآثاره لكي تكون تذكرة إليه ويقظة له من الداخل، لأنه ليست هناك أية حقيقة يمكنها أن تكشف العقل لنا دون العقل ذاته، والعقل لا يمكن معرفته إلَّا بالتذكرة إلى آثاره.
بين العقل والعلم:
وحيث يتعرَّف الإنسان إلى العقل، يستطيع أن يُميِّز العلم من الخيال. فالعقل يحكم باستحالة التناقض والتضاد، وقبح الشر والظلم، وبصحة محسوسات الجوارح، وإنه يقدر على أن يرد كل حادث إلى سببه وكل هاجس- في النفس- إلى عِلَّته، ويقدر على تمييز كل فكرة صحيحة من الخاطئة بعد التأكد من سببها، وهو يحكم بأنه لو انكشف الواقع أمام الإنسان انكشافًا واضحًا، بحيث لا يمكن للنفس التشكيك فيه، فلا يكون ذلك إلَّا علمًا صحيحًا، وأما لو أحب المرء أن يعتقد بفكرة لمصلحة أو هوى في نفسه، فلا يمكن أن تكون تلك الفكرة إلَّا باطلة.
فمثلًا: قد تهجم على شاشة النفس تصورات متفاوتة من واقع واحد، فيرى المرء أن جاره رجل طيب، ثم يرى في الوقت ذاته أنه شرير، ويرى أن القيام بأذاه قبيح ولكنه في اللحظة ذاتها يتراءى له أنه عمل شريف وواجب .. هنا تتداخل التصورات وتتوتر النفس، ويحتار الإنسان فيتدخل العقل ليبرز العلم الصحيح، ذلك الذي يكشف فعلًا عن الواقع الخارجي ويميزه من الخيال، فيقول محللًا بأناة: كيف عرفت أن جاري رجل طيب؟. أبقول الناس أم بقياس أعماله، أم بطيبة أبيه؟.
فإذا وجد أن ما دعاه إلى تصور الجار رجلًا طيبًا كان قول الناس- مثلًا- إذا وجد ذلك وقف ليوجِّه إلى نفسه سؤالًا ثانيًا: هل يمكن للناس أن يكذبوا وليست لديهم أية مصلحة في القول بصلاح جاره؟. فيحكم ويقول: كلَّا .. ثم يحاول التعرف إلى السبب الذي دعاه إلى تصوره رجلًا خبيثًا، فيجد أن جاره طالبه بحقه الذي لا يمكنه إلَّا الاعتراف به، وهنا يعلم أن السبب في هذا التصور المُشوَّه عن جاره الطيب يكمن في مصلحته وهواه الذاتي، والعقل يحكم بأنه لا يمكن أن يكون هذا دليلًا على أنه رجل شرير.
بهذا يُفرِّق بين تصور خاطئ وتصور صحيح. والأمر لا يعدو أن يجري خلال لحظة
[١] بحار الأنوار: ج ١، ص ١٢٩.