الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٨ - ١ - الدليل على البعث
سبحانه الحكيم الغني أن يخلق الخلق عبثًا، ولا حاجة له إلى العبث، وسبحانه أن يعجز عن أن يجازيهم، أو أن يعجز عن خلقهم مرة أخرى وهو الذي أنشأهم أول مرة.
٢- كل دلائل الكون تهدينا إلى أن ما فيه قد سُخِّر لنا (أو قد خُلِق لأجلنا)، كل ما فيه من شمس وقمر ونجوم تعمل ليل نهار لتبقى الحياة مستمرة. وكل ما فيها مسخر لنا، بما أوتينا من موهبة العقل والقدرة والحرية. وإذا كان كل شيء لنا، فنحن لماذا؟.
هل خُلقنا لكي نتمتع في الدنيا؟. ومَنْ مِنَّا استطاع أن يتمتع بها سعادة وافية؟. أكبيرنا أم صغيرنا؟. سيدنا أم مملوكنا؟. رئيسنا أم مرؤوسنا؟. ليس هناك من استطاع أن يستريح بما في الكلمة من معنى، فلماذا إذًا خُلِقنا؟.
هناك جوابان عن ذلك لا ثالث لهما:
ألف: إن الله سبحانه أراد أن يلعب ويعبث فخلقنا ليضحك علينا. وهذا بعيد عن دلائل حكمته التي نراها في الكون، وعما يهدينا إليه العقل من كمال ربنا، إنه قُدُّوس ليس فيه نقص.
ب- اء: إنه خلقنا لعالم آخر، وجعل ما في هذه الدنيا من خير دليلًا على أفضل منه وأكمل منه يوجد في الآخرة. وما هنا من شر دليلًا على أسوأ منه وأطول منه يوجد في الآخرة. وأذاقنا من هذا حينًا ومن هذا حينًا، ثم بيَّن لنا عن طريق رسله كيف نتجنب الشر ونقترب إلى الخير.
وهذا هو التفسير الصحيح لظواهر الكون كلها.
٣- وإلى هذا تشير النصوص الشرعية التي سوف نُلِمَّ بنبذة يسيرة منها، والتي تعتبر بذاتها دليلًا مستقلًا على الحياة الآخرة؛ لما ثبت بالأدلة العقلية أن لنا إلهًا كاملًا، وأنه بعث رسلًا صادقين، ونقلوا عنه أن من عمل سوءًا جُوزي به، وأنه من صلح عملًا أُثيب عليه .. علمًا بأن وراءنا جزاءً وثوابًا، قال الله في كتابه الكريم: وَعْدَ اللّهِ لا يُخْلِفُ اللّهُ وَعْدَهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ اْلآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧) أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللّهُ السَّماواتِ وَ اْلأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلّا بِالْحَقِ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ إِنَّ كَثيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ [١].
قال سبحانه: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [٢].
[١] سورة الروم، آية: ٦- ٨.
[٢] سورة المؤمنون، آية: ١١٥.