الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٥
يتحدَّى به العالم كله ويقول لهم بأعلى صوت-: وَ إِنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ [١]. ثم يقول: ... لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيرًا [٢].
القرآن يتحدى العالم:
إن مجرد التحدي من رجل أميّ في الجزيرة العربية لَشهادة كبيرة على أن صاحبه ليس برجل عادي، لاسيما وأن هذا التحدي لازم الرسول (ص) حتى نهاية حياته، حيث لاحظ حضارات البشرية عن كثب، وعرف أبعاد ما فيها. وقد عجزت البشرية رغم تكاثر الأعداء الألداء، عجزت حتى عن محاولة التحدي المضاد.
وفي بداية البعثة، زعم بعض العرب المغرورين بفصاحتهم؛ أنهم قادرون على التحدي المضاد، إلَّا أنهم سرعان ما اكتشفوا ضلالهم البعيد.
فالشاعر العربي (بشير) الشهير ببلاغته قال أبياتًا زعم أنها أفصح من القرآن فعلقها على الكعبة، ولم يكن يُعلَّق عليها إلَّا شعر أفصح العرب، ولما رأى المسلمون إعجاب (بشير) بأشعاره كتبوا بعض آيات القرآن وعلقوها إلى جنب أشعار بشير، فلما مر بها بشير أبهرته قوة البلاغة في القرآن وهتف قائلًا: والله ما هذا بقول بشر، وأنا من المسلمين.
وبعد قرن من بزوغ الإسلام زعم بعض المنافقين أن الوقت حان للإجابة على تحدي القرآن، فاتصل بالأديب العربي الشهير (ابن المقفع) الذي أغرته ثقافته الفارسية الفلسفية الواسعة فقبل الدعوة إلى التحدي المضاد، ولكنه اشترط على صاحبه المقترح أن يتكفَّل له بما يحتاج إليه خلال سنة، وهي المدة التي زعم أنه قادر على إنجاز مهمته فيها، ولما مضى نصف عام عاد إليه صاحبه ليعرف مراحل العمل في مواجهة تحدي القرآن فوجده جالسًا والقلم يرتعش بين أصابعه وقصاصات الورق تتناثر من حوله، فاعترف بأنه قد أصيب بفشل ذريع في محاولته هذه رغم ما بذله من جهود جبارة؛ إذ إنه لم يستطع أن يأتي بآية واحدة من طراز القرآن.
ولسنا بحاجة إلى ذكر المزيد من القصص التاريخية بعد أن اعترف بعظمة القرآن كل من
[١] سورة البقرة، آية: ٢٣.
[٢] سورة الإسراء، آية: ٨٨.