الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٤
عصاه إلَّا بعد أن امتلأ رعبًا وخاف ألَّا يؤمن الكفار، وكان في ذلك دليل على أن موسى (ع) لم يكن بذاته قادرًا على إحداث الخارقة بل بإذن الله، حيث إن السحر يؤثر في إطار محدود بينما المعجزة لا تتحدَّد بإطار. فالساحر مثلًا لا يتمكن من إحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص أو قلب العصى الصغيرة إلى ثعبان مبين يلقف الحبال ثم يرجع إلى أصله وكأن شيئًا لم يكن، أو خلق طوفان يملأ الأرض ماء، إن الساحر لا يفعل مثل هذه وقد فعلها الأنبياء (عليهم السلام).
الثالث: بل لعل السحر لا يتمكن من البناء بل الهدم فقط، بينما يستطيع النبي أن يبني كما يستطيع أن يهدم بالمعجزة. فالساحر قد يتمكن من أن يجعل شجرة باسقة أعوادًا يابسة ولكنه لا يجعل العود اليابس شجرة باسقة.
وأما المعجزة فإنها التي تجعل من الجذعة الذابلة نخلة تساقط رطبًا جنيًّا.
الساحر يمكن أن يجعل الناس فرقًا شيعًا ولكن لا يستطيع أن يُؤلِّف قلوبهم كأنهم بنيان مرصوص ويبعثهم أمة وسطًا.
السحر قد يجعل الأمة القوية شعبًا مستضعفًا ولكنه لا يتمكن من أن يفعل خلاف ذلك- كما تفعل المعجزة- فتبدل الشعب المستضعف أمة قوية.
السحر قد يجعل من النظام فوضى ولكن لا يخلق من الفوضى نظامًا يُبهر العقول.
إذًا فهناك فروق أساسية بين السحر والمعجزة نابعة من مصدر السحر الذي لا يعدو أن يكون استخدام بعض السنن الخفية بعد دراستها وإتقانها. ثم يكون استخدام الساحر الذي يتأثر بالضعف البشري فيستخدم ذلك في الغالب فيما يُضر الناس دون ما ينفعهم. وعلى ذلك نعرف أن إنكار الكفار المعاصرين للرسول (ص) معجزاته واتِّهامه بالسحر لم يكن إلَّا خلطًا ساذجًا بين معطيات السحر والمعجزة، لجهلهم أو استكبارهم عن الحق. فإذا عرفنا نحن أن ما أتى به الرسول (ص) لم يكن من السحر علمنا أنه كان معجزة، فكان كلام الكفار دليلًا على صدق نبوة الرسول (ص) وثبوت المعجزة له.
الكتاب المعجزة:
القرآن هو المعجزة التي تبقى دليلًا واضحًا على رسالة النبي (ص) مدى الدهر. رجل أُميّ- عرفه معاصروه أنه لا يقرأ ولا يكتب- يأتي بكتاب مفصل فيه علم كل شيء، بلغ في الفصاحة والبلاغة الذروة، وضرب في الأسلوب والمحتوى أرقى رقم يُقاس، ثم