الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢١
يعرف قدرًا ضئيلًا من السنن الكونية، ولعله لدى تطور العقلية البشرية من واقعها الضحل إلى مستوى أرفع يتبين أن سننًا أخرى تحكم الحياة جنبًا إلى جنب مع السنن المعروفة. فمثلًا: نحن نُنكر إمكانية المعراج لأنه يُنافي معارفنا حول الجاذبية، ولا ننكر إمكانية الصعود إلى القمر لأننا عرفنا أن استخدام الصواريخ والوقاية الكافية و .. و .. يجعل المركبة الفضائية تتحكم بالجاذبية فلا يجري آنئذ قانون الجاذبية في هذه الحالة المعينة، ولعله لو تقدَّم العلم اكتشفنا طريقة أبسط وأسهل للتحكم بالجاذبية التي تجعلنا نطير حول الفضاء دون الاستعانة بالمركبة الموجودة.
وهنالك نعرف أن نسبة معارفنا اليوم إلى معارفنا ذلك اليوم كنسبة معارف القرون الوسطى إلى معارف القرن العشرين، وعندئذ يُمكننا التصديق بالمعراج حتى دون مركبة فضائية.
فالمعجزة ظاهرة تعيش إلى جانب الظواهر الواقعة يوميًّا. وكما لا يسعنا إزاء هذه الظواهر إلَّا البحث عن سُنتها بموضوعية دون ردها سلفًا، فكذلك لا يسعنا أمام المعجزة إلَّا البحث عن واقعها دون إنكارها اعتمادًا على سائر الظواهر المعروفة.
الشهادة الثانية: وهي تأتي من الإيمان بالقدرة اللامتناهية لخالق الكون سبحانه، الذي لم يعجز عن خلقه بأية صورة شاء، بل جعل الاختلاف في مظاهر القدرة دليلًا بارزًا على إحاطة قدرته لكافة المحتملات. وقد سبق الحديث منا حول أن قدرة الله غير متناهية، وأن من مظاهر قدرته: إجراء السنن، وأنه لولا هذا الإجراء لما كان هناك أي تسلسل بين خط الأسباب وخط المسببات.
فهاتان شهادتان دلتانا على إمكانية حدوث المعجزة. بعد هذا نقول: من الشواهد الواضحة على نبوة الرسول (ص) الآيات التي أظهرها الله على يديه.
وقد ثبت لنا بالنقل المتواتر الذي لا يحتمل الكذب [١]؛ حيث إن المسلمين باختلاف
[١] يعتمد الإنسان في كل شؤونه على النقل المتواتر، وهو نقل طائفة كبيرة من الناس يضمن الإنسان معهم عدم الكذب. فمثلًا: يُثبت الإنسان وجود البلاد البعيدة بالنقل المتواتر كما يُثبت وجود الأمم البالية- كعاد وثمود- بالتواتر. وكذلك ثبت أن للنبي محمد (ص) معاجز بيِّنات؛ ثبت بالنقل المتواتر حيث لم نر أحدًا من المؤرخين المعاصرين للنبي (ص) يُبدي أية معارضة لها، مع أنها لو كانت كذبًا إذًا كان يُعارضها طائفة كما أثبتها طائفة، لاسيما مع وجود معارضة قوية للرسول (ص) متمثلة في المشركين واليهود والمنافقين الذين لم يؤمنوا بالرسول ولا بصحة معاجزه إلَّا أنهم لم يسعهم إنكارها بل نسبوا السحر إليه حيث زعموا: أن المعاجز نوع من السحر. وإلى هذه الحقيقة ترشدنا الرواية التالية: في الحديث عن الرسول (ص) أنه قال لأبي جهل حينما أنكر الآيات المنقولة له بطريق متواتر: «يَا أَبَا جَهْلٍ! فَإِنْ كَانَ لَا يَلْزَمُكَ تَصْدِيقُ هَؤُلَاءِ عَلَى كَثْرَتِهِمْ وَشِدَّةِ تَحْصِيلِهِمْ فَكَيْفَ تُصَدِّقُ بِمَآثِرِ آبَائِكَ وَأَجْدَادِكَ وَمَسَاوِي أَسْلَافِ أَعْدَائِكَ؟ وَكَيْفَ تُصَدِّقُ عَنِ الصِّينِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ إِذَا حُدِّثْتَ عَنْهَا؟! هَلِ المُخْبِرُونَ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا دُونَ هَؤُلَاءِ المُخْبِرِينَ لَكَ عَنْ هَذِهِ الْآيَاتِ مَعَ سَائِرِ مَنْ شَاهَدَهَا مِنْهُمْ مِنَ الجَمْعِ الْكَثِيفِ الَّذِينَ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى بَاطِلٍ يَتَخَرَّصُونَهُ إِلَّا كَانَ بِإِزَائِهِمْ مَنْ يُكَذِّبُهُمْ وَيُخْبِرُ بِضِدِّ أَخْبَارِهِمْ ..» (بحار الانوار، ج ١٧، ص ٢٤٤). وفي حديث احتجاجي بين الإمام الرضا (ع) وعلماء اليهود، قال (ع): «يَا رَأْسَ الجَالُوتِ! فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِقْرَارِ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ (س)، وَقَدْ كَانَ يُحْيِي المَوْتَى، وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَيَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الله؟. قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ: يُقَالُ إِنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَلَمْ نَشْهَدْهُ!. قَالَ الرِّضَا (ع): أَرَأَيْتَ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى مِنَ الْآيَاتِ شَاهَدْتَهُ، أَلَيْسَ إِنَّمَا جَاءَتِ الْأَخْبَارُ مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِ مُوسَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ؟. قَالَ: بَلَى!. قَالَ (ع): فَكَذَلِكَ أَيْضًا أَتَتْكُمُ الْأَخْبَارُ المُتَوَاتِرَةُ بِمَا فَعَلَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (س) فَكَيْفَ صَدَّقْتُمْ بِمُوسَى (ع) وَلَمْ تُصَدِّقُوا بِعِيسَى؟. فَلَمْ يُحِرْ جَوَابًا. قَالَ الرِّضَا (ع): وَكَذَلِكَ أَمْرُ مُحَمَّدٍ (ص) وَمَا جَاءَ بِهِ، وَأَمْرُ كُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ ..». (بحار الأنوار: ج ١٠، ص ٣٠٩). والواقع أن المعجزة لا تعدو أن تكون كأية حادثة تاريخية أخرى لابد أن نبحث عنها بصورة موضوعية مجردين تمامًا عن الاستبعاد الذي يكتنف الموضوع لأنه بعيد عما باشرناه من السنن الكونية. بلى؛ لو لم نستطع أن نؤمن فلسفيًّا بإمكان المعجزة إمكانًا عقليًّا، إذًا أمكننا نبذ الأنباء المتواترة منها وغير المتواترة؛ لأن العقل أمتن ثقة من النقل. بيد أنه ثبت لنا فلسفيًّا إمكان بل وضرورة المعجزة فلا يسعنا إلَّا قبول الأخبار الموثوقة بها على صحتها.