الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٨
ومجنون و ..!. وإلى ضرب الحصار الاقتصادي عليه في شعب أبي طالب، وإلى أن ذهب إلى الطائف فعامله سادتها أسوأ معاملة. وقال أحدهم في وجهه مستهزئًا: «أَنَا أَسْرِقُ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ إِنْ كَانَ اللهُ بَعَثَكَ بِشَيْءٍ قَطُّ». وقال الآخر: «أَعَجَزَ اللهُ أَنْ يُرْسِلَ غَيْرَكَ». وقال ثالث:
«وَالله لَا أُكَلِّمُكَ بَعْدَ مَجْلِسِكَ هَذَا أَبَدًا، وَلَئِنْ كُنْتَ رَسُولًا كَمَا تَقُولُ فَلَأَنْتَ أَعْظَمُ خَطَرًا مِنْ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْكَ الْكَلَامُ، وَإِنْ كُنْتَ تَكْذِبُ عَلَى الله فَمَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُكَلِّمَكَ ..»[١].
ثم أغروا به سفهاءهم فرموه بالحجارة حتى سقط على صخرة مُثخنًا بجروح بليغة فلم يدعوه يستريح حتى تابعوه بالحجارة والسب فتابع رحلته إلى خارج الطائف.
وناجى ربه قائلًا:
«لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ»[١].
دون أن يبالي بكل ذلك.
أقول: لم يكن للرسول أية دوافع شخصية ولا دوافع اجتماعية أو اقتصادية أن يُعرِّض نفسه ومركزه للخطر، ابتداءً بافتقاده مركزه الاجتماعي، ومرورًا بمصائبه الكبيرة في مكة، وانتهاءً بالحروب التي شُنَّت ضده في المدينة.
ولم يكن كل ذلك من مثل محمد (ص) إلَّا شاهدًا كبيرًا على صدقه في دعوته وشدة يقينه برسالته. وهكذا نقول بكل تأكيد: إن الرسول ذاته دليل رسالته.
ثم ما الذي يدعوه إلى الكذب والخيانة؟.
أهو المال؟. وهو الذي رفض العرض المغري الذي قدَّمه إليه سادة قريش والذي احتوى على أكثر أموال العرب مقابل تنازل الرسول عن دعوته الرسالية.
أم هو الجاه؟. وقد عرض عليه أن يسود على العرب جميعًا بشرط أن يترك رسالته فرفض.
أم كان العيش الرغد؟. وهو الذي اكتفى بأزهد نصيب بين المسلمين وحَمَّل نفسه أشق الأعمال، ولم تختلف به الحال منذ أن كان يتيمًا في حضن عمه وإلى أن أصبح سيد العرب المطاع، بل زاد رغبة عن الدنيا وزهدًا فيها.
وكلمة الخلاصة: إن تحليل شخصية الرسول (ص) يهدي إلى واقع رسالته، فإن
[١] بحار الأنوار: ج ١٨، ص ٧٦.
[٢] راجع: بحار الأنوار: ج ١٩، ص ٢١.