الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٧
فجيء إليه ببعض التجار، فسألهم هرقل عمَّن هو أقربهم نسبًا بالرسول.
آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي(دام ظله)، الفكر الإسلامي - بيروت، چاپ: دهم، ١٤٣٢.
الفكر الإسلامي ؛ ص٢١٧
ال هرقل: هل أنتم كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟.
أبو سفيان: لا.
هرقل: هل يغدر؟.
أبو سفيان: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها.
هرقل: قد أعرف أنه لم يكن يذر الكذب على الناس ويكذب على الله.
وأبو سفيان هذا كان من أبرز المعارضين للرسول الذي قاد حروبًا ضارية ضده وألَّب عليه العرب جميعًا، ولكنه يقول فيه: إنه لم يكن كاذبًا، ويُبرِّر قولته بعدئذ بأنه «والله لولا الحياء من أن يأثروا عليَّ كذبًا لكذبت عليه».
إن هذا المبرر شاهد على السمعة الطيبة التي أحاطت بالنبي (ص) وجعلت أعداءه يعترفون- رغمًا منهم- بصدقه وأمانته.
وبهذا الدليل يكتشف البروفيسور بورسورت سميث شخصية النبي (ص) البالغة البهاء والروعة فيقول: عندما أُلقي نظرة إجمالية أستعرض فيها صفاته وبطولاته، ما كان منها في بدء نبوته وما حدث منها فيما بعد، وعندما أرى أصحابه الذين نفخ فيهم روح الحياة وكم من البطولات المعجزة أحدثوا، أجده أقدس الناس وأعلاهم مرتبة حتى أن الإنسانية لم تعرف له مثيلًا.
ولقد كان النبي (ص) قادرًا على إحراز أكبر قدر من السيادة والثروة والرفاهية؛ لأنه كان يتمتع بمركز اجتماعي فريد في قومه، بسبب أنه من قريش ومن بني هاشم ساداتها التقليديين. وقريش كانت سيّدة العرب بسبب حكمها على مكة عاصمة الجزيرة العربية. وأما الثروة فقد كان يتصرف في أموال زوجته البرّة خديجة (س) التي كانت من أغنى الناس في مكة.
وأما من ناحية الرفاهية فقد كان يملك الوداعة والأمن والعيش المناسب لعصره، وفجأة دعا الناس إلى الرسالة الجديدة بعد الأربعين من عمره، و بالضبط حين يذهب عن النفس البشرية طيشها وغرروها ويبدأ المرء يتعقّل، وحين كانت التقاليد تقضي لصاحب الأربعين بالتفوق والكمال. في هذا الحين بالضبط عرَّض نفسه لأكبر الأخطار وأعظمها ابتداءً من افتقاده سمعته كسيد قريش في المستقبل وتحوُّله في الإعلام المعادي إلى ساحر