الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٦
إنها شاهدة بذاتها على أنها الحق الواضح. ذلك أن محمدًا (ص) صادق وأمين، والصادق يصدق في كل أمر كما أن الأمين أمين مع كل أحد. وليس بصادق من يصدق مرة ويكذب مرة، وليس بأمين من وفى مرة وخان أخرى، وحيث نُعِتَ الرسول بالأمانة والصدق فلابد أن المجتمع كان قد رأى فيه تجسيدًا لهذه من الصفات الحسنة، فكيف يكون كاذبًا في هذا الأمر الذي هو أهم الأمور جميعًا؟!.
ولقد كان أهل مكة يأتمنون النبي محمدًا (ص) على أموالهم حتى بعدما كفروا برسالته. فبعد أن اضطروه إلى الهجرة إلى المدينة كانت لديه أمانات أمر وصيه الإمام عليًّا (ع) بردِّها لأصحابها.
ولقد كانت قريش أعدى أعدائه وكانت تعترف له بصفة الأمانة. فهذا النضر بن الحارث، وقد كان من سادة قريش وأكبر المعارضين للنبي (ص) وكان يعد من المحنكين في مكة، ألقى يومًا خطابًا في جمع من الكفار وقال:
«يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إنّهُ وَالله قَدْ نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ مَا أَتَيْتُمْ لَهُ بِحِيْلَةٍ بَعْدُ، كَانَ مُحَمّدٌ فِيْكُمْ غُلَامًا حَدَثًا، أَرْضَاكُمْ خُلْقًا وَأَصْدَقَكُمْ حَدِيْثًا وَأَعْظَمَكُمْ أَمَانَةً، حَتّىَ إِذَا رَأَيْتُمْ فِيْ صِدْغَيْهِ الْشّيْبَ وَجَاءَ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ قُلْتُمْ: سَاحِرٌ. لَا وَالله مَا هُوَ بِسَاحِرٍ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْسّحَرَةَ وَنَفْثَهُمْ وَعَقْدَهُمْ.
وَقُلْتُمْ: كَاهِنٌ. لَا وَالله مَا هُوَ بِكَاهِنٍ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْكَهَنَةَ وَتَخَالُجَهم وَسَمِعْنَا سَجَعَهُم.
وَقُلْتُمْ: شَاعِرٌ، لَا وَالله مَا هُوَ بِشَاعِرٍ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْشِعْرَ وَسَمِعْنَا أَصْنَافَهُ كُلّهَا هَزَجَهُ وَرَجَزَهُ.
وَقُلْتُمْ: مَجْنُوْنٌ، لَا وَالله مَا هُوَ بِمَجْنُوْنٍ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُوْنَ فَمَا هُوَ بِخَنْقِهِ وَلَا وَسْوَسَتِهِ وَلَا تَخْلِيْطِهِ. يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! فَانْظُرُوْا فِيْ شَأْنِكُمْ فَإِنّهُ وَالله لَقَدْ نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ عَظِيْمٌ» [١].
ولم يدَّع أحد من قريش على النبي محمد (ص) الكذب والخيانة إلَّا وهو متردد بالرغم من أنهم قالوا فيه أعظم من ذلك وأكبر، وكان السبب لتحرُّزهم من اتِّهامه بالكذب أو الخيانة أنها كانت تهمة لا تنسجم أبدًا مع المشهور من حياة النبي قبل الرسالة.
فلنسمع إلى حوار جرى بين هرقل [٢] ملك الروم وبعض كفار قريش- بعدما تسلَّم هرقل رسالة من النبي (ص) يدعوه فيها إلى الإسلام-، فسأل عمَّن يعرفه من أهل وطنه
[١] سيرة بن هشام، ج ١، ص ٣١٩.
[٢] راجع بحارالأنوار: ج ٢٠، ص ٣٧٨.