الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٥
٢- الرسول:
من خلال سيرة الرسول (ص) منذ أن كان يافعًا يعزف عن اللهو، أو كان فتى يرعى تجارة خديجة فيلتزم بالصدق والأمانة، أو كان رجلًا يتميَّز بين أترابه بأنه يقبل الغريب ويرحم الضعيف ويؤوي المسكين، وإلى أن بُعث نبيًّا يحمل بين كفيه النور والهدى إلى العالم كله، وحتى أصبح سيد العرب جميعًا من خلال سيرته في سِنِيّ عمره وأطوار حياته، لم يعهد منه معاصروه الكذب والخيانة فسموه (الصادق الأمين)، فلم يستطيعوا نعته بالكذب حتى بعد أن بُعث بالرسالة وسفَّه أحلام قريش وقاد الحروب ضدها. رأوا فيه إنسانًا يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة ويتجنَّب الرذائل ويتحلَّى بالفضائل. هذا محمد بن عبد الله (ص) الذي أُعجب به من عاصره العدو والصديق- وأُعجب به من جاء بعده- من عدو وصديق-؛ هذا الإنسان ادَّعى النبوة وكان يعرف أبعاد دعواه، وهي أن من يدعو إلى النبوة فهو يدعو إلى الله ويدَّعي الاتصال به والبعثة من لدنه إلى الناس جميعًا في كل العصور [١].
كما كان يعرف بكل دقة أن الذي يدَّعي النبوة كَذِبًا فإنما هو أخبث الناس وأظلمهم لنفسه وللناس جميعًا؛ لأنه يُغرِّر بالناس ويخدعهم ويبعدهم عن الصراط المستقيم [٢]، ذلك لأنه ينسب الكذب إلى الله رب العالمين ويتسلَّم قيادة الناس جميعًا وفي كل العصور، فإن كان غير كفؤ لها جرَّهم إلى الردى ليس في عصره فقط بل على مر العصور، حيث إن اتِّباع هذا الرسول لا يقتصر على زمان حياته بل قد يدوم إلى الأبد، كما هي الحال في رسالة النبي محمد (ص). فمعنى كذب مُدَّعي الرسالة إضلال الملايين عن السعادة. إن هذا الظلم ما أعظمه وما أكبره. ولا يقدم على هذا الظلم إلَّا أخبث الناس الذي انسلخ عن كل قيمة إنسانية، فكيف يدَّعيه محمد بن عبد الله (ص) الذي عرفناه بالصدق والأمانة؟!.
إن دعوى الرسول- هذا الصادق الأمين- لا تحتاج إلى حجة تدعم صحتها، بل
[١] كان النبي (ص) يقول عن الله سبحانه: يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ (سورة يونس، آية: ٥٧). قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَ اْلأَرْضِ (سورة الفرقان، آية: ٦)، وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [٣] إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحى (سورة النجم، آية: ٣- ٤). هذه هي دعوة الرسول التي هتف بها منذ البداية، وهي تدل- فيما تدل- على أن الرسول كان على يقين بما يدعو إليه وما فيه من ضخامة المسؤولية.
[٢] قال الرسول (ص) عن الله: قُلْ إِنَّ الَّذينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [٦٩] مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّديدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (سورة يونس، آية: ٦٩- ٧٠). تدل هذه الحكمة على أن الرسول كان يعرف بكل تأكيد أن الكذب على الله ظلم عظيم وخطيئة كبيرة جزاؤها عذاب أليم.